اتخذت فرنسا خطوة تاريخية بالموافقة على حظر استخدام مواقع التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن الـ15 عامًا، في قرار يضعها في المركز الثاني عالميًا بعد أستراليا، التي حظرته لمن هم دون 16 عامًا، ضمن جهود حماية الأجيال الناشئة من المخاطر الرقمية المتزايدة.
تصويت تاريخي
صوّتت الجمعية الوطنية الفرنسية بأغلبية ساحقة، بلغت 130 صوتًا مقابل 21 صوتًا، لصالح مشروع القانون الذي قدمته النائبة لور ميلر من حزب "معًا من أجل الجمهورية"، حسبما ذكرت صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية.
ويشمل الحظر المنصات الأكثر شعبية بين المراهقين، مثل سناب شات وإنستجرام وتيك توك وفيسبوك، وفق ما أوردته صحيفة "ذا جارديان" البريطانية.
وجاء التصويت بعد جلسة استمرت طوال الليل، من الاثنين إلى مطلع يوم الثلاثاء، ما يعكس أهمية القضية لدى المشرعين الفرنسيين.
أعرب الرئيس إيمانويل ماكرون عن دعمه القوي للمبادرة، معتبرًا إياها "خطوة كبرى" نحو حماية الأطفال الفرنسيين، وقال في مقطع فيديو بُث يوم السبت الماضي: "مشاعر أطفالنا ومراهقينا ليست للبيع أو للتلاعب، لا من قبل المنصات الأمريكية ولا الخوارزميات الصينية"، حسبما نقلت "ذا جارديان".
ويُسعى ماكرون من خلال هذه الخطوة إلى تحقيق رمز بارز يميّز فترة رئاسته الثانية، خاصة أن فرنسا ستكون أول دولة أوروبية تتبنى مثل هذا الإجراء الصارم.
مبررات صحية واجتماعية
دافعت النائبة لور ميلر عن مشروع القانون بحجج إنسانية مؤثرة، قائلة إنه يهدف لحماية القصر من "مقاطع فيديو لقطط تطحن في خلاطات" و"صور لعمليات قتل جماعي"، وفق "ليبراسيون".
وأضافت بنبرة عاطفية: "ماري وليلو وبينيلوب... كانت الحياة أمام هؤلاء الفتيات، لكنهن أنهين حياتهن بعد مشاهدة فيديوهات إرشادية على مواقع التواصل الاجتماعي. أفكر في ذويهن. لا يتعلق الأمر هنا بنقاش أيديولوجي بل باختيار مجتمعي".
عززت وكالة الصحة العامة الفرنسية ANSES هذه المخاوف بتقرير صدر هذا الشهر، أكدت فيه أن منصات التواصل الاجتماعي تُلحق أضرارًا متعددة بالمراهقين، خاصة الفتيات، رغم أنها ليست السبب الوحيد لتدهور صحتهم النفسية.
وشملت المخاطر المحددة التنمر الإلكتروني والتعرض للمحتوى العنيف، كما ذكرت "ذا جارديان".
وشدد رئيس الوزراء الأسبق جابرييل أتال على أن القانون لا يحمي الصحة النفسية فحسب، بل يواجه أيضًا "قوى تسعى عبر هذه المنصات لاستعمار العقول".
آليات التطبيق
يشترط مشروع القانون منع "الوصول إلى خدمات الشبكات الاجتماعية المقدمة من المنصات الإلكترونية للقصر دون سن الـ15 عامًا"، مع استثناء الموسوعات الإلكترونية والمنصات التعليمية، وفق "ذا جارديان".
ويتطلب تفعيل الحظر إنشاء نظام فعال للتحقق من العمر يتوافق مع تشريعات الاتحاد الأوروبي، خاصة قانون الخدمات الرقمية، لتفادي مصير قانون سابق صدر عام 2023 حدد السن الرقمية بـ15 عامًا لكنه لم يُطبق قط، حسب "ليبراسيون".
وأوضح أتال أن "طرفًا ثالثًا موثوقًا"، ليس الدولة ولا المنصات، سيتولى التحقق من الأعمار عبر تقنية التعرف على الوجه أو تحميل وثائق الهوية.
ومن المقرر أن يناقش مجلس الشيوخ القانون منتصف فبراير، على أن يدخل حيز التنفيذ في الأول من سبتمبر 2026 للحسابات الجديدة، فيما تُمهل المنصات حتى 31 ديسمبر من العام نفسه لإلغاء الحسابات الحالية المخالفة.
انتقادات محدودة
رغم الدعم الكبير، انتقد بعض النواب من حزب "فرنسا الأبية" اليساري المتطرف القانون، إذ اعتبره النائب أرنو سان مارتان "شكلًا من الأبوية الرقمية" وحلًا "مفرط التبسيط" لمشكلة معقدة، وفق "ذا جارديان".
كما عبّر النائب لوي بويار عن مخاوفه من أن الشباب سيجدون طرقًا للالتفاف على الحظر، مما قد يزيد "الاستياء" تجاه الطبقة السياسية، حسب "ليبراسيون".
ودعت تسع جمعيات لحماية الطفولة البرلمانيين إلى "محاسبة المنصات" بدلًا من "حظر" الأطفال.
ومع ذلك، حظي القانون بتأييد واسع عبر الأطياف السياسية، بما فيها اليمين المتطرف، ما يعكس إجماعًا مجتمعيًا على ضرورة حماية الأطفال، كما يشمل القانون أيضًا حظر الهواتف المحمولة في المدارس الثانوية، بعد أن كانت فرنسا قد حظرتها في المدارس الإعدادية (11-15 عامًا) منذ عام 2018.