نجح فريق دولي من علماء الفلك في رسم الخريطة الأكثر دقة وتفصيلًا حتى الآن لـ "المادة المظلمة" عبر مسافات شاسعة من الكون، وذلك باستخدام بيانات مستمدة من مئات الآلاف من المجرات البعيدة، وهو الإنجاز الذي يمكن أن يغيِّر وجه الفيزياء الحديثة.
ومن المعروف أن المادة العادية المحيطة بنا - النجوم والكواكب والبشر - لا تشكِّل سوى 5% من الكون، بينما تمثِّل المادة المظلمة حوالي 85% من الكون، ولا يستطيع العلماء رصدها كونها لا تشع ضوءًا ولا تعكسه، ويعتمدون على رصد انحناء الضوء القادم من المجرات البعيدة أثناء مروره بالقرب من كتل المادة المظلمة.
جيمس ويب
وتُعد الخريطة الأحدث، التي تم إنشاؤها باستخدام صور من تلسكوب جيمس ويب الفضائي التابع لناسا، الأكثر تفصيلًا حتى الآن لمثل هذه المساحة الشاسعة من السماء، وبحسب شبكة CBS News، رصد تلسكوب ويب ما يقرب من 800 ألف مجرة، بعضها تم اكتشافه لأول مرة.
وتغطي الخريطة الجديدة مساحات شاسعة تصل إلى مليارات السنين الضوئية، تتضمن معلومات عن تجمعات مجرية جديدة وخيوط المادة المظلمة التي تربطها، وهي التي تُساهم في تشكيل هيكل الكون، مما يسمح للعلماء بمشاهدة كيف نمت الهياكل الكونية وتطوَّرت بمرور الزمن.
مهمات مستقبلية
وبحسب الباحثين، تشير الخرائط الجديدة إلى أن المادة المظلمة قد تكون "أقل تكتلًا" مما توقَّعته النماذج الرياضية السابقة المستندة إلى "النموذج القياسي لعلم الكونيات"، مؤكدين أن النتائج قد تُجبر علماء الفيزياء على إعادة التفكير في القوى الأساسية التي تحكم تمدد الكون وسلوك المجرات عبر مليارات السنين.
وتبرز أهمية البحث في كونه يمهِّد الطريق لمهمات فضائية مستقبلية، مثل تلسكوب "إقليدس" التابع لوكالة الفضاء الأوروبية وتلسكوب "نانسي جريس رومان" التابع لناسا، اللذين سيعملان على تعميق هذه الخرائط لتشمل مساحات أكبر من السماء وتعميق فهمنا للكون.
حجر رشيد الجديد
عندما بدأ الكون، كانت المادة العادية والمادة المظلمة على الأرجح موزعة بشكل متفرِّق، ويعتقد العلماء أن المادة المظلمة بدأت بالتكتل أولًا، ثم جذبت هذه التكتلاتُ المادةَ العادية، مما أدَّى إلى تكوين مناطق تحتوي على كمية كافية من المادة لبدء تشكُّل النجوم والمجرات.
وأكدت عالمة الفيزياء الفلكية روتوبارنا داس، من مركز هارفارد سميثسونيان للفيزياء الفلكية، أن فهم المادة المظلمة ليس مجرد ترف علمي، بل هو مفتاح لفهم مصير الكون النهائي، مشددة على أن تلك الخريطة تعتبر بمثابة حجر رشيد الجديد الذي قد يفك شفرة أعظم أسرار الطبيعة، وينقل البشرية من مرحلة التخمين إلى مرحلة الرصد.