الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

هل تتراجع ركائز الاستقرار العالمي خلال 2026؟

  • مشاركة :
post-title
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

القاهرة الإخبارية - د. مبارك أحمد

جاء الهجوم الأمريكي على فنزويلا في الثالث من يناير 2026، من خلال تنفيذ عملية عسكرية نوعية انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، واقتيادهما إلى الولايات المتحدة الأمريكية على خلفية الاتهامات بالاتجار في المخدرات والتهريب بما أضر بالمصالح الأمريكية، ليفتح ذلك الباب واسعًا أمام تزايد الجدل بشأن حدود الاستقرار العالمى بعد تلك العملية النوعية بالقبض على رئيس دولة ومحاكمته فى دولة أخرى، وما إذا كان ذلك السلوك سيصبح نموذجًا يمكن محاكاته فى الصراعات الدولية المتفجرة في أقاليم العالم المختلفة، لاسيما من قبل القوى الكبرى حتى وإن نددت بسلوك واشنطن واعتبرته خروجًا على مقتضيات القانون الدولي ومتطلبات سيادة الدولة، بعد أن قطع العالم شوطًا كبيرًا نحو إقرار تلك المبادئ، والمطالبة بمحورية الدور المؤسسي للمنظمات الدولية، وفي مقدمتها مجلس الأمن المعني بالأساس بحفظ السلم والاستقرار الدوليين.

مكمن الخطورة في تلك العملية أنها ربما ستفتح شهية القوى الكبرى من دون رادع نحو تقليد واشنطن لحسم صراعاتها، وهو الأمر الذي سيقوض بالتأكيد من ركائز الاستقرار العالمي خلال 2026، وربما يجد هذا التقويض صداه أيضًا في تزايد مخصصات القوى الكبرى لموازنات الدفاع وزيادة نفقات التسليح، وهو ما جعل قارة مثل أوروبا تتجه نحو سباق تسلح محموم بعد الحرب الروسية الأوكرانية. 

كما يجد ذلك التقويض صداه أيضًا في ملمح ثانٍ، وهو إخفاق المؤسسات الدولية مثل مجلس الأمن في اتخاذ قرارات حاسمة لوقف العديد من الصراعات المتفجرة أو تسويتها، ومنها الصراعات في أوكرانيا وغزة وكشمير وتايوان.

أما الملمح الثالث لذلك التقويض، فهو ما يرتبط بالتوجهات الانفصالية لأقاليم داخل الدولة الواحدة، وتجاذبها في حروب بالوكالة بين قوى إقليمية ودولية.

فيما يأتي الملمح الرابع ليرتبط بتجاهل سيادة الدولة، وهو ما يتضح في مواقف متعددة مثل مواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالحديث عن كندا باعتبارها الولاية 51 في الاتحاد الامريكي، ومطالبته باستعادة قناة بنما، ورغبته المتجددة في ضم جزيرة جرينلاند الدنماركية، وهو ما يعني إزدراء ترامب لقواعد القانون الدولي ومبدأ سيادة الدولة. 

ويأتى الملمح الخامس لتقويض الاستقرار العالمي، ليشير إلى اقتسام مناطق النفوذ ما بين القوى الكبرى، في تجاهل واضح لإرادة الشعوب ومصالحها الوطنية.

مؤشرات داعمة

هناك العديد من المؤشرات التي ربما ستقوض ركائز الاستقرار العالمي خلال 2026، وتحتاج إلى إرادة دولية لتجاوزها، ويمكن الإشارة إلى أبرز تلك المؤشرات على النحو التالي:

(*) عملية مادورو: عكست عملية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو والتي نفذتها القوات الأمريكية في كاراكاس في 3 يناير 2026، حالة السيولة التي يمر بها النظام الدولى وافتقاده إلى القواعد أو المؤسسات التي تضبط حركته، وهو ما دفع الولايات المتحدة الأمريكية لتنفيذ تلك العملية بصرف النظر عما رددته الصحف الأمريكية من أنها عملية حظيت بتوافق ما بين بعض أجنحة النظام الفنزويلي الداخلية والولايات المتحدة الأمريكية، إذ أرتأت تلك الأجنحة الاتجاه نحو التضحية برأس النظام والحيلولة دون انهياره أو حدوث فوضى في فنزويلا غير معروف مداها.

غير أن تلك العملية وإن انطوت على تجاهل مبادئ القانون الدولي، كما رددت العديد من الدول كرد فعل على ما حدث باعتباره عملًا غير شرعي، وانتهاكًا لسيادة فنزويلا ووحدتها وسلامتها الإقليمية، إلا أنها تعد سابقة بالغة الخطورة على المجتمع الدولي وآليات تسوية صراعاته المتفجرة في مناطق متعددة من العالم، وتكمن خطورتها ليس فقط فيما ردده الرئيس الأمريكي وما ألمح إليه وزير خارجيته ماركو روبيو من إمكانية تكرار السيناريو مع دول أخرى في أمريكا اللاتينية، وتحديدًا كوبا، مشيرًا إلى أن المسؤولين الكوبيين يجب أن يقلقوا بعد تطورات فنزويلا، وإنما أيضًا في احتمالية محاكاة قوى دولية أو إقليمية لما حدث في فنزويلا مع الدول والأنظمة المناوئة لسياساتها، وهو ما سيشكل خروجًا على الأعراف الدولية المستقرة، وبما سيدخل العالم في دوامة من الصراعات التي لن تنتهي أو تتوقف.

(*) زيادة الانفاق العسكري الدولي: تزايد الإنفاق العسكرى الدولي خلال الثلاثة سنوات الأخيرة بأرقام قياسية، وتحديدًا منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، ورصد معهد "ستوكهولم لأبحاث السلام" زيادة في الإنفاق العسكري منذ عام 2023 بنسبة تقارب 7% مقارنة بعام 2022 ليصل إلى نحو 2.5 تريليون دولار، ثم ارتفع الرقم إلى 2 تريليون و700 مليار دولار أمريكي في عام 2024.

وجغرافيًا، يصل الإنفاق العسكري للاتحاد الأوروبي إلى مستوى قياسي جديد عند 381 مليار يورو عام 2025 في ظل تزايد مخاطر الحرب الروسية الأوكرانية وضغوط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الدول الأعضاء في حلف الناتو لزيادة مخصصات إنفاقهم العسكري إلى 5% من الناتج المحلى الإجمالي لكل دولة عضو. 

وهذا السباق المحموم نحو التسليح جعل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش يؤكد أن الإنفاق العسكري المفرط لا يضمن السلام، بل غالبًا ما يقوضه، إذ يؤجج سباقات التسلح، ويعمق انعدام الثقة، ويحول الموارد عن أسس الاستقرار.

(*) تنامي التوجهات الانفصالية: شهدت الآونة الأخيرة العديد من ملامح التوجهات الانفصالية في أقاليم العالم المختلفة، وهو الأمر الذي يشكل أحد المتغيرات المؤثرة على حالة الاستقرار العالمي. 

ولم تكن تلك التوجهات الانفصالية قاصرة على دول الأقاليم النامية، ومنها إقليم الشرق الأوسط، لا سيما في دول الأزمات العربية وفي مقدمتها اليمن وسوريا ليبيا والعراق، وإنما امتدت أيضًا إلى بعض الدول المتقدمة، ومنها تزايد العديد من الأصوات في ولاية كاليفورنيا الأمريكية والتي تتطالب بالانفصال عن الاتحاد الفيدرالي الأمريكي، وذلك باعتبارها أقوى اقتصاد في الولايات الأمريكية، وكذلك مطالبة إقليم كتالونيا بالانفصال عن إسبانيا.

(*) تجاهل سيادة الدولة: تشكل أطماع الولايات المتحدة التي تبلورت في الآونة الأخيرة منذ وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لولاية رئاسية ثانية نوعًا من تجاهل سيادة الدول وازدراء مبادئ القانون الدولي، والسعي لتعزيز الهيمنة الأمريكية، وعدم الاقتصار على التلويح باستخدام القوة بل الاتجاه نحو استخدامها واقعيًا في نماذج بعينها كما حدث في فنزويلا لتحقيق المصالح الأمريكية من وجهة نظر ترامب. 

كما يتجلى ذلك التجاهل لسيادة الدول في دعوة ترامب لضم كندا إلى الولايات المتحدة الأمريكية واعتبارها الولاية رقم 51، فضلًا عن تجدد مطالبته بضم جرينلاند التي تعد جزءًا من الدانمارك وتتمتع بحكم ذاتى بعد استفتاء عام 1979، وتبلغ مساحتها 2 مليون كم مربع، بعدد سكان يقارب 57 ألف نسمة فقط، وتكتسب أهميتها الاستراتيجية من كونها أقصر طريق من أوروبا إلى أمريكا الشمالية، كما توجد بها قاعدة بيتوفيك الجوية الأمريكية على خلفية اتفاق الولايات المتحدة والدانمارك بإقامة قاعدة عسكرية أمريكية بها منذ عام 1951 وبعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها. 

ويرى ترامب أن الاستحواذ على جرينلاند ضروري لردع خصوم أمريكا، فيما أعلن البيت الأبيض عن بحث ترامب لبدائل حول كيفية الاستحواذ على الجزيرة القطبية، وهو الأمر الذي دفع فرنسا نحو قيادة وحدة أوروبية لمواجهة أطماع ترامب التي تقوم على الهيمنة والسيطرة على الجزيرة، بعد أن اتجهت تحليلات عديدة للإشارة إلى إمكانية قيام الولايات المتحدة بتوقيع اتفاقية مع سكان الجزيرة من دون الرجوع إلى الدانمارك، وهو الأمر الذي سيعمق من أزمة حلف الناتو وكيفية مواجهته لتلك المعضلات، لاسيما أن الدانمارك عضو في الحلف، وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية التي تعد المساهم الأكبر لتمويل عمليات الحلف، وهو ما يعني في نهاية الأمر تزايد الخطر المحدق بالقارة الأوروبية وأمنها واستقرارها الذي أضحى على المحك.

(*) اقتسام مناطق النفوذ بين القوى الكبرى: بدت القوى الكبرى كما لو أنها تتجه نحو اقتسام مناطق النفوذ على غرار ما حدث فى مؤتمر يالطا الذي انعقد في فبراير 1945 قبل نهاية الحرب العالمية الثانية لاقتسام مناطق النفوذ بين الغرب والاتحاد السوفييتى آنذاك، وهو المؤتمر الذي عقد بقيادة ثيودور روزفلت رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا والزعيم السوفييتي جوزيف ستالين.

لذلك، فإن الخبراء يعتقدون منذ عودة الرئيس دونالد ترامب للبيت الأبيض أن القوى الكبرى وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين، ومن خلال استجلاء مواقفهم من الأزمات الدولية المتفجرة، فإن ذلك يوحي باقتسام مناطق الهيمنة والنفوذ على نحو ما يعكسه الخطاب الودي المتبادل بين ترامب وبوتين، رغم المصاعب التي تواجهها أوكرانيا، وموقف ترامب وبوتين من المواجهات الإسرائيلية الإيرانية والاكتفاء بالتصريحات من دون أي سلوك على أرض الواقع، وكذلك موقفهما مما يحدث في غزة، كذلك فإن أزمة فرض الرسوم الجمركية ما بين واشنطن وبكين بدت في طريقها إلى التسوية. 

هذا الاقتسام لمناطق النفوذ يمثل تحديًا للدول الصعيرة والمتوسطة في ظل نظام أحادى القطبية يجعل من الإذعان لمنطق القوة الأمريكية الذي بدأ في التبلور مؤخرًا، خروجًا عن قواعد النظام الدولى وقيمه التي ترسخت منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وكانت الولايات المتحدة أحد أبرز واضعي ذلك النظام الذي تتجاوزه الآن، وهو ما يعني دخول العالم في مرحلة من الاستقرار الهش أو بالأحرى الفوضى المحتملة.

إجمالًا برغم التحديات التي ستواجه إرساء ركائز الاستقرار العالمي خلال 2026، فإن الأمل لا يزال ممكنًا في إمكانية تجاوزها، في ظل وجود تحديات مشتركة تواجه المصير الإنساني منها المشكلات البيئية العابرة للحدود والتي تؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة الكوكب وما له من تأثيرات عالمية على الأنشطة التنموية، وتحديات انتشار الأوبئة والجوائح، وكذلك قضايا الهجرة واللجوء الناجمة عن النزاعات والصراعات الدولية، والتي تؤثر على دول الإرسال والممر والاستقبال معًا، وسلبيات الذكاء الاصطناعي برغم تنوع فرصه وآفاقه، وكلها تحديات تطرح فرص مؤكدة للتعاون الدولي وتعزيز فرص الاعتماد المتبادل بين الدول والمجتمعات لمواجهتها، وهو ما يعني أن فرص إقرار الاستقرار العالمى ربما تتغلب على صراعاته المحتملة لاسيما أن عام 2026 سيشهد انتخابات في نحو 21 دولة، وبالتالي يمكن للمجتمعات اختيار قادة أكثر تسامحًا وقدرة على تغليب التعاون الدولي على الصراع.