الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

"الرسائل المُسرَّبة".. ترامب يحدث شرخا جديدا في جدار التحالف الغربي

  • مشاركة :
post-title
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

القاهرة الإخبارية - سامح جريس

عقد قادة الاتحاد الأوروبي الـ27 قمة طارئة في بروكسل؛ لمواجهة تهديدات صادرة من حليفهم التقليدي، الولايات المتحدة الأمريكية، فبعد سنوات من التعاون الوثيق، تجد أوروبا نفسها أمام واقع مرير يتطلب إعادة تقييم كاملة لعلاقاتها مع واشنطن ومستقبل الأمن الجماعي.

أزمة جرينلاند

بدأت الأزمة عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض رسوم جمركية بنسبة 10% على ثماني دول أوروبية عارضت مطالبه بضم جزيرة جرينلاند الدنماركية، في محاولة اعتبرها القادة الأوروبيون "ابتزازًا" صريحًا، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تصاعدت التهديدات لتشمل إلغاء دعمه لقرار بريطانيا تسليم جزر تشاجوس لموريشيوس، وتهديد فرنسا برسوم على صادراتها من الخمور بعد رفض ماكرون مبادرته للسلام، والهجوم على رئيس وزراء النرويج بسبب جائزة نوبل للسلام.

كشفت صحيفة "بوليتيكو" أن هذه القمة الاستثنائية تختلف عن سابقاتها التي كانت تناقش أزمة اليورو أو كورونا أو الحرب الروسية الأوكرانية، فالتهديد هذه المرة يأتي من واشنطن نفسها.

وعبّر رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك عن حجم الصدمة، بقوله إن "الثقة كانت دائمًا الأساس الذي قامت عليه العلاقات مع أمريكا"، مضيفًا أن أوروبا لا تحتاج اليوم إلى الهيمنة والإكراه، بل إلى الاحترام المتبادل بين الشركاء.

تسريب المراسلات

ما أثار قلق المسؤولين الأوروبيين بشكل خاص كان قيام ترامب بنشر لقطات شاشة من رسائل نصية خاصة تلقاها من قادة عالميين على حسابه في منصة إكس أمام 11.6 مليون متابع.

شملت التسريبات رسالة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يعرض فيها استضافة قمة مجموعة السبع في باريس مع دعوة الروس على الهامش، ورسالة من الأمين العام لحلف الناتو مارك روته يشيد فيها بإنجازات ترامب "المذهلة" ويقول إنه "لا يطيق الانتظار" لرؤيته.

قال دبلوماسي أوروبي رفيع المستوى للصحيفة، إن تسريب الرسائل الخاصة أمر غير مقبول تمامًا، مؤكدًا أنه بعد هذا التصرف لن يستطيع أحد الوثوق بترامب مجددًا.

وأوضح أن هذه الرسائل النصية تمثّل وسيلة اتصال حيوية بين القادة كونها سريعة ومباشرة، إلا أن فقدان الثقة سيدفع كل شيء للمرور عبر طبقات من البيروقراطية.

وكشف المصدر عن أن القادة الأوروبيين أنشأوا بالفعل مجموعة دردشة سرية خاصة بهم؛ لمناقشة كيفية التعامل مع تصريحات ترامب المثيرة للجدل.

مصير الناتو على المحك

يخشى الدبلوماسيون من أن انهيار الثقة الشخصية بين القادة الأوروبيين وترامب له تداعيات خطيرة على حلف الناتو، الذي يقوم في جوهره على وعد بأن الدول الأعضاء ستدعم بعضها في حالة تعرض أحدها لهجوم.

حذّرت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن من أن غزو ترامب لجرينلاند سيعني نهاية الحلف، مشيرة إلى أن مجرد التهديد به وضع الناتو في العناية المُركَّزة كما ذكر دبلوماسي آخر.

وعندما سُئلت فريدريكسن مباشرة عمّا إذا كانت لا تزال تثق بالولايات المتحدة، تجنبت قول نعم واكتفت بالقول إنه يجب العمل معًا باحترام دون تهديد.

المشكلة تمتد إلى أوكرانيا أيضًا، إذ أمضى قادة أوروبيون، مثل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرز ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، ساعات طويلة لإقناع ترامب بأن تقديم ضمانات أمنية أمريكية لكييف هو السبيل الوحيد لردع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إلا أن المسؤولين يتساءلون الآن سرًا عن قيمة هذه الضمانات: طالما أن ترامب أثبت أنه حليف غير موثوق، فلماذا تأخذ روسيا كلمة أمريكا على محمل الجد؟

عالم ما بعد دافوس

يواجه الاتحاد الأوروبي الآن مهمتين، وهما: استعادة التركيز على أولويات السلام في أوكرانيا، وحل التوتر حول جرينلاند على المدى القصير، ثم رسم إستراتيجية للتعامل مع عالم مختلف جذريًا، كما وصف دبلوماسيون أوروبيون الواقع الجديد بـ"عالم ما بعد دافوس"، مؤكدين أن الثقة لن تعود بعد ما حدث.

ستتولى رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين وفريقها ابتكار سبل لدفع القارة نحو الاكتفاء الذاتي أو "الاستقلال الإستراتيجي" كما يسميه ماكرون، بما يشمل سلاسل التوريد والأمن الطاقي، بعد أن أصبحت أوروبا تعتمد على الغاز الأمريكي.

المهمة الأكثر إلحاحًا هي إعادة تصوُّر مستقبل الدفاع الأوروبي بعيدًا عن الناتو، وتشمل الأفكار المطروحة إنشاء مجلس أمن أوروبي، يضم بريطانيا النووية رغم خروجها من الاتحاد، وبناء صناعة للطائرات المُسيَّرة، وتعزيز الدفاعات الجوية، وحتى تشكيل فرقة نخبة من القوات الخاصة، إضافة لجيش أوروبي دائم من 100 ألف جندي اقترحته المفوضية بالفعل.