بينما يتعهد المستشار الألماني فريدريش ميرز، بتشكيل جبهة مشتركة مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لمواجهة تهديدات دونالد ترامب، تكشف صحيفة "بوليتيكو" الأوروبية عن توترات عميقة تهدد المحرك التقليدي للاتحاد الأوروبي في واحد من أكثر الأوقات حرجًا.
وعود بالوحدة وسط خلافات متجذرة
يواجه بناء "الموقف المشترك" الذي يتحدث عنه ميرز عقبات كبيرة، تتطلب تجاوز شهور من التوتر المتبادل. إذ تكشف "بوليتيكو" أن دبلوماسيين فرنسيين قلقون من تنامي الهيمنة الألمانية أوروبيًا، فيما يشعر الألمان بالإحباط من معارضة باريس لاتفاقية التجارة مع ميركوسور، وتعثر برنامج المقاتلة النفاثة المشتركة بقيمة 100 مليار يورو، وتجميد خطة استخدام الأصول الروسية لتمويل أوكرانيا.
وقال مسؤول أوروبي للصحيفة: "في الأشهر الستة الماضية، لم ينتج المحرك الفرنسي-الألماني شيئًا واحدًا".
رؤيتان متناقضتان لمواجهة واشنطن
ظهر التباين الحاد في ردود الفعل على تهديد ترامب بفرض رسوم جمركية على أوروبا. فبينما تعهد ماكرون، السائر على النهج الديجولي، بالرد بقوة باستخدام أداة مكافحة الإكراه، اختار ميرز، الأطلسي الموالي لواشنطن، نهجًا دبلوماسيًا أكثر مرونة.
واعترف ميرز علنًا بالاختلاف، مشيرًا إلى أن باريس "أرادت الرد بحدة أكبر" لأنها أقل عرضة لتداعيات الحرب التجارية.
وزاد التعقيد الانقسام الداخلي في الحكومة الألمانية، إذ قال دبلوماسي أوروبي للصحيفة: "سياسيون ألمان مختلفون يقولون أشياء مختلفة"، فوزير المالية لارس كلينجبايل يؤيد نهج ماكرون المتشدد، بينما وزير الخارجية أقل حماسًا.
برلين تتقدم وباريس تتعثر
يشهد ميزان القوى تحولًا لصالح ألمانيا، فبينما يواجه ماكرون قيودًا مرتبطة بالديون والاستقرار الحكومي، يبرز ميرز في الخطوط الأمامية للسياسة الأوروبية، ويعزز مكانته كمفاوض رئيسي في قمة برلين لضمانات أوكرانيا الأمنية.
وسعى ميرز لدور قيادي مع ترامب، قائلًا إنه "إذا لم يستطع الرئيس الأمريكي التفاهم مع أوروبا"، فيمكنه "جعل ألمانيا شريكًا".
هذا التلميح بانفراد برلين أثار استياء باريس، إذ أوضح دبلوماسي أوروبي للصحيفة: "ألمانيا باتت أكثر صراحة، وميرز يريد دورًا سياسيًا أكبر، وهذا يزعج الفرنسيين".
وتتوقع الدراسات أن تبني ألمانيا جيشًا أكبر من فرنسا، وأن تظل الاقتصاد الأوروبي الوحيد ضمن العشرة الكبار عالميًا بحلول عام 2050.
معارك أوكرانيا والتجارة والأسلحة
ترى برلين أن باريس تتحدث كثيرًا دون أن ترقى إلى مستوى الطموحات، إذ تشعر ألمانيا بالإحباط من دعوة فرنسا إلى التنويع بعيدًا عن أمريكا، مع عرقلة اتفاقية تجارية تاريخية مع أمريكا الجنوبية، وسعيها إلى دور قيادي في أوكرانيا رغم أن إسهاماتها أقل من برلين.
وانفجر الإحباط الألماني في النقاش حول قرض الاتحاد الأوروبي البالغ 90 مليار يورو لأوكرانيا. فبينما اقترحت فرنسا شراء أسلحة أوروبية لدعم صناعتها، ردت ألمانيا بإعطاء الأفضلية للدول الأكثر مساهمة، أي ألمانيا. وعلق دبلوماسي ثالث قائلًا إن ذلك "رسالة واضحة وقاسية لباريس".
وقال ميشيل دوكلو، الباحث في معهد مونتين والسفير الفرنسي السابق: "الألمان يعتبرون أنهم يبذلون كل الجهود في أوكرانيا، لذا عندما يقول الفرنسيون إنهم يريدون قيادة العمليات، يرى الألمان أن هذا كاف".
وأضاف: "الخوف في فرنسا أن تصبح الميزانية الدفاعية الألمانية ضعف نظيرتها الفرنسية، وهذا تحول تاريخي".
وتابع دوكلو: "إذا أردنا استقلالًا استراتيجيًا، نحتاج شراكات جديدة، لكن الألمان لا يبدون جادين".
وكشفت "بوليتيكو" أن برلين حاولت إقناع باريس بتقديم تنازلات، لكنها استسلمت في نهاية المطاف. إذ قال مسؤول ألماني، تعليقًا على عجز ماكرون أمام المعارضة المحلية: "البلد على شفا أن يصبح غير قابل للحكم".
مستقبل غامض تحت ظلال اليمين
يواجه مشروع المقاتلة "إف سي إيه إس" خطر الموت السريري بعد فشل التوصل إلى اتفاق الشهر الماضي.
وبحسب بيتر باير، المشرع من حزب المحافظين، تمارس الشركات الفرنسية "ضغطًا هائلًا"، و"حتى الرئيس الفرنسي لا يستطيع تجاوز ذلك".
وأضاف: "الآن يتجه التفكير إلى إمكانية المضي قدمًا دون الفرنسيين، وهو أمر كارثي، لكن لا يوجد تقدم"، مشيرًا إلى احتمال تطوير ألمانيا مقاتلة دون شركة داسو الفرنسية.
وتزداد تعقيدات النقاش مع تصدر حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف استطلاعات الرأي قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة.
وحذر جاكوب روس، الباحث في المجلس الألماني للعلاقات الخارجية، من أن "احتمال وصول التجمع الوطني إلى السلطة يلقي بثقله على النقاشات الفرنسية-الألمانية حول الدفاع"، ما ينذر بمزيد من التعقيدات في علاقة تحتاجها أوروبا اليوم أكثر من أي وقت مضى.