تواجه العلاقات عبر الأطلسي أخطر اختبار لها منذ ثمانية عقود، مع تصاعد أزمة جرينلاند التي تضع تحالفًا إستراتيجيًا، عمره 80 عامًا، على شفا الانهيار. ففي الوقت الذي يصعّد فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تهديداته للسيطرة على الجزيرة القطبية، تجد أوروبا نفسها في مواجهة مباشرة مع أقوى حلفائها تاريخيًا.
حرب اقتصادية غير مسبوقة مع الحلفاء
أعلن ترامب، السبت الماضي، فرض رسوم جمركية بنسبة 10% على صادرات عدد من الدول الأوروبية، من بينها بريطانيا وفرنسا وألمانيا والدنمارك، مع التهديد برفعها تدريجيًا إلى أن تُباع جرينلاند للولايات المتحدة.
ووصف إيان ليسر، رئيس مكتب بروكسل في صندوق مارشال الألماني، هذا التصعيد بأنه "استخدام غير مسبوق للحرب الاقتصادية ضد حلفاء واشنطن"، بحسب ما نقلته صحيفة "نيويورك تايمز".
ولم يكتفِ ترامب بالتهديدات التجارية، بل أكد استعداده للاستيلاء على جرينلاند "بالطريقة السهلة أو الصعبة"، في تصريحات أثارت صدمة واسعة في العواصم الأوروبية.
وأشارت الصحيفة إلى أن وثيقة إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي، الصادرة الشهر الماضي، شككت في موثوقية بعض الدول الأوروبية كحلفاء في المستقبل، بل ووصفت القارة بأنها تواجه "احتمال محو حضاري"، ما لم تدعم واشنطن ما أسمته "الأحزاب الوطنية الأوروبية"، في إشارة واضحة إلى اليمين المتطرف.
مناورة عسكرية تشعل الأزمة
وفقًا لصحيفة "فاينانشال تايمز"، فإن نشر قوات أوروبية محدودة في جرينلاند، الأسبوع الماضي، أشعل فتيل الأزمة، إذ شارك في تمرين "القدرة القطبية" أكثر من 200 جندي، من بينهم جندي بريطاني واحد، واثنان من فنلندا، إلى جانب 15 فرنسيًا، و13 ألمانيًا، وعشرات من الدنماركيين والنرويجيين.
وتمثّل الهدف المعلن للتمرين في إظهار التزام أوروبا بأمن القطب الشمالي، ودحض حجة ترامب بأن جرينلاند تمثل فريسة سهلة لروسيا والصين.
لكن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، المقربة من ترامب، رأت أن "الرسالة الأوروبية لم تكن واضحة ولا الأساس المنطقي لها"، محذّرة من تفسير المبادرة على أنها موقف معادٍ للولايات المتحدة، فيما اعتبر مسؤول أوروبي سابق أن هذا النشر العسكري "أزال ورقة التوت الأمنية" التي كانت تمثل مبررًا لمطامع ترامب.
وأكد وزير الدفاع الدنماركي، ترولز لوند بولسن، أن التمرين كان "إستراتيجية واضحة" لتحمّل مسؤولية أكبر عن أمن جرينلاند، مشيرًا إلى أن التمرين، الذي كان مقررًا في مارس ثم جرى تقديم موعده لأسباب غير معلومة، أُعلن مسبقًا ولم يكن مفاجئًا للإدارة الأمريكية.
وتساءل دبلوماسيون أوروبيون، نقلًا عن "فاينانشال تايمز"، عما إذا كان "التسرع في إرسال قوات هو الخيار الأفضل لتهدئة الأمور"، مضيفين أن "الرسالة كانت دقيقة أكثر من اللازم".
أوروبا بين نارين
انقسمت أوروبا في استجابتها للأزمة بين تيارين رئيسيين، بحسب "نيويورك تايمز". إذ تبنى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون موقفًا صارمًا، مؤكدًا أن "لا ترهيب أو تهديد سيؤثر فينا، لا في أوكرانيا ولا في جرينلاند ولا في أي مكان آخر".
ووصف ماكرون التهديدات الجمركية بأنها "غير مقبولة"، متعهدًا برد أوروبي "موحد ومنسق" لحماية "السيادة الأوروبية".
كما دعا وزير المالية الألماني، لارس كلينجبيل، إلى استخدام "بازوكا" اقتصادية في مواجهة ترامب.
في المقابل، حذّر رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، من المواقف الاستعراضية، قائلًا: "إنه رد فعل مفهوم، لكنه غير فعّال ولم يكن كذلك أبدًا. قد يشعر السياسيون بالرضا، لكنه لا يفيد العمال الذين تعتمد وظائفهم وأمنهم على العلاقات التي نبنيها".
تحالف على حافة الانهيار
خلصت "نيويورك تايمز" إلى أن مراقبين متمرسين في السياسة الأوروبية يرون أن التحالف الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية "تغيّر بشكل جوهري"، ولم يعد تحالفًا صُمّم لخدمة مصالح دول متشابهة التفكير، بل أصبح علاقة تحكمها شروط ترامب وحده، يستخدم فيها النفوذ الأمريكي لإجبار الأوروبيين على تلبية مطالبه.
وبينما يتفق الطرفان على ضرورة بناء قدرات اقتصادية وعسكرية أوروبية مستقلة، فإن تحقيق ذلك سيستغرق سنوات أو حتى عقودًا. وفي الأثناء، تظل الشركات والأسواق الأوروبية مرتبطة بالمستهلكين الأمريكيين، كما تظل أوكرانيا بحاجة إلى الأسلحة الأمريكية لمواجهة روسيا.
وقال ليسر: "سيكون من الحماقة، في زمن الحرب بأوروبا، التخلي عن الفوائد الإستراتيجية والعملياتية للتحالف. لكن إذا لم تعد الولايات المتحدة شريكًا موثوقًا، فعلى أوروبا أن تفعل شيئًا آخر".
ومن المتوقع أن يجتمع القادة الأوروبيون في بروكسل هذا الأسبوع لتقديم رد موحد على تهديدات ترامب، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من تحالف تاريخي يواجه أعمق أزماته.