يستعد الاتحاد الأوروبي لاتخاذ إجراءات تجارية مضادة واسعة النطاق ردًا على تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية مرتفعة على دول أوروبية داعمة للدفاع عن جرينلاند، إذ كشفت مصادر أوروبية عن حزمة تعريفات انتقامية محتملة تصل قيمتها إلى 93 مليار يورو، في تصعيد غير مسبوق للتوترات الاقتصادية عبر الأطلسي، بحسب صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية.
جاء هذا التحرك بعد تلويح ترامب بفرض تعريفات تتراوح بين 10 و25% على واردات من دول أوروبية عدة، بينها الدنمارك وألمانيا وفرنسا وبريطانيا، على خلفية رفض هذه الدول أي مساس بوضع جزيرة جرينلاند ذات الحكم الذاتي التابعة للدانمارك، حيث استدعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين سفراء الولايات المتحدة في بروكسل في 18 يناير 2026 لبحث الرد الأوروبي المحتمل، بحسب مصادر دبلوماسية أوروبية.
رد مكافئ
تستهدفت الحزمة الأوروبية المقترحة سلعًا وخدمات أمريكية واسعة النطاق، مع بحث قيود على مشاركة الشركات الأمريكية في المناقصات والمشتريات العامة داخل الاتحاد الأوروبي.
في الوقت نفسه، أوضحت مصادر في المفوضية الأوروبية أن هذه الإجراءات صُممت لتكون متكافئة مع حجم الرسوم التي يهدد ترامب بفرضها، بما يسمح لبروكسل بالرد السريع دون تجاوز أطر منظمة التجارة العالمية.
عكست هذه الخطوة قلقًا أوروبيًا متزايدًا من استخدام الرسوم الجمركية كأداة ضغط سياسي، خاصة في ظل ربطها بشكل مباشر بملف سيادي حساس يتعلق بجرينلاند، التي تتمتع بحكم ذاتي تحت السيادة الدنماركية. في الأثناء، شددت عدة عواصم أوروبية على أن أي استهداف تجاري سيقابل برد جماعي يحافظ على وحدة الموقف الأوروبي.
تنافس استراتيجي
برر ترامب تهديداته باعتبار جرينلاند "حيوية" للأمن القومي الأمريكي بسبب موقعها الاستراتيجي وثرواتها المعدنية، في إطار خطط لتعزيز منظومة الدفاع الصاروخي المعروفة باسم "القبة الذهبية"، إضافة إلى ذلك، كثّفت الدنمارك وحلفاؤها الأوروبيون تحركاتهم العسكرية في القطب الشمالي عبر مناورات وتنسيق داخل حلف شمال الأطلسي.
قوبلت هذه التحركات بتحذيرات أوروبية من أن الرسوم الأمريكية تمثل "إكراهًا اقتصاديًا" يهدد استقرار التحالف عبر الأطلسي، في الوقت نفسه، رأت دول أوروبية أن ربط الأمن بالتجارة يفتح الباب أمام تصعيد يصعب احتواؤه، خصوصًا بين دول يفترض أنها حليفة داخل الناتو.
حذّر القادة الأوروبيون من "دوامة خطيرة" جراء تهديد ترامب بفرض رسوم جمركية، متعهدين بدعم سيادة جرينلاند والدنمارك، وسيجتمع سفراء الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
موقف حكومة جرينلاند
وقالت وزيرة حكومة جرينلاند، ناجا ناثانييلسن، المسؤولة عن شؤون الأعمال والطاقة والمعادن في الجزيرة، في بيان لها: "إننا نعيش في أوقات استثنائية لا تتطلب فقط اللياقة، بل تتطلب أيضًا شجاعة كبيرة".
كما عبّرت حكومة جرينلاند عن شكرها العلني للدول الأوروبية على دعمها السياسي، مؤكدة أن الضغوط الأمريكية لن تثنيها عن الدفاع عن حق الجزيرة في تقرير مصيرها.
في الأثناء، قلل ممثلو قطاع الأعمال في جرينلاند من تأثير الرسوم المحتملة على اقتصاد الجزيرة، معتبرين أن الهدف الحقيقي هو ممارسة الضغط على حلفاء الناتو الأوروبيين، إلى جانب ذلك، شهدت الدنمارك وجرينلاند تظاهرات حاشدة رفضاً لأي محاولة لفرض واقع جديد على الجزيرة القطبية.
رد أوروبي حاسم
انضمت فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة إلى الدنمارك وخمس دول أوروبية أخرى في بيان مشترك صدر اليوم الأحد، يدين تهديدات الرئيس ترامب بفرض تعريفات جمركية بنسبة 10-25% بسبب الدعم العسكري لجرينلاند، باعتبارها مخاطر على العلاقات عبر الأطلسي.
وصف الرئيس إيمانويل ماكرون الرسوم الجمركية بأنها ابتزاز "غير مقبول"، متعهدًا بأنه لن يثني أي ترهيب العزم الأوروبي بشأن جرينلاند أو أوكرانيا، كما وعد رئيس الوزراء فرانسوا بايرو برد "قوي ومنسق" مع شركاء الاتحاد الأوروبي.
فيما أعرب المستشار فريدريش ميرز عن قلقه البالغ، ساعيًا إلى حل من جانب حلف الناتو يضمن حماية الولايات المتحدة للقطب الشمالي دون انتهاك السيادة، وشدد وزير الخارجية يوهان فاديفول على أهمية التعاون بين الحلفاء وسط تحذيرات من قطاع صناعة السيارات من تداعيات اقتصادية.
من جانبه وصف رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، فرض الرسوم الجمركية على حلفاء الناتو بأنه "خاطئ تمامًا"، مصرحًا بأنها تقوض الأمن الجماعي والسيادة الدنماركية، وحثت وزيرة الثقافة ليزا ناندي على التوصل إلى حل تعاوني.
دول الشمال الأوروبي
أما دول الشمال الأوروبي، وفي مقدمتها السويد وفنلندا والنرويج، فنسّقت مواقفها دعمًا للدنمارك، حيث أكد قادتها أن فرض الرسوم الجمركية سيقوض العلاقات عبر الأطلسي.
في الوقت نفسه، أعلن وزير خارجية الدنمارك جولة تشمل أوسلو ولندن وستوكهولم لتعزيز التنسيق الأمني داخل الناتو في القطب الشمالي، مشددًا على أن "لا مكان للتهديدات بين الحلفاء".
عكست هذه التحركات اتجاهًا أوروبيًا متماسكًا لاحتواء التصعيد مع واشنطن، مع الإبقاء على قنوات الحوار مفتوحة، وسط مخاوف من انزلاق الخلاف التجاري إلى مواجهة سياسية وأمنية أوسع.
من جانبه قال رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون، إن السويد بدأت، أمس السبت، مناقشات مكثفة مع دول الاتحاد الأوروبي الأخرى إضافة إلى بريطانيا والنرويج للتوصل إلى رد منسق.
في الوقت نفسه قال رئيس فنلندا إن الجهود التي تقودها الدنمارك لتعزيز دفاعات جرينلاند تمثل جزءًا مهمًا من تعزيز الأمن العام في القطب الشمالي، وأن على الحلفاء حل خلافاتهم من خلال الحوار وليس الضغط.
وقال الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، إن الحوار مع الولايات المتحدة مستمر، وأن فرض الرسوم الجمركية من شأنه أن يقوض العلاقة عبر الأطلسي ويخاطر بانزلاق خطير نحو الهاوية".
بدوره قال رئيس وزراء النرويج جوناس جار ستوير، إن هناك اتفاقًا واسعًا في حلف شمال الأطلسي (الناتو) على تعزيز الأمن في القطب الشمالي:" لا مكان للتهديدات بين الحلفاء"، مؤكدًا أن موقف النرويج ثابت، جرينلاند جزء من مملكة الدنمارك".