الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

صلاح منصور.. 47 عاما على رحيل "عمدة السينما المصرية"

  • مشاركة :
post-title
الفنان المصري الراحل صلاح منصور

القاهرة الإخبارية - إيمان بسطاوي

مثّل الفنان المصري صلاح منصور في أدواره حالة إنسانية مكتملة الأبعاد، مشحونة بالتناقض، ومُثقَلة بصراع داخلي صامت، وفي ذكرى رحيله في 19 يناير 1979، يعود اسمه بوصفه أحد أكثر ممثلي جيل الستينيات تميزًا في أدوار الشر، فنانًا آمن بأن التمثيل ليس صراخًا، بل إحساسًا عميقًا يُقال بالعين والنبرة والسكون.

ثمة علاقة مبكرة نشأت بينه وبين الفن، حين وجد في المسرح المدرسي مُتنفَّسًا لشغفه بالتمثيل عام 1938، لم يكن ذلك مجرد نشاط طلابي عابر، بل بداية وعي فني مبكر قاده لاحقًا إلى معهد التمثيل، إذ تخرّج عام 1947، حاملًا مشروع فنان جاد يرى في الفن رسالة قبل أن يكون مهنة.

بدايات سينمائية مبكرة

سبق تخرّجه الأكاديمي ظهوره الأول على شاشة السينما، حين شارك في فيلم "غرام وانتقام" عام 1944، وهو ظهور مبكر مهَّد لمسيرة طويلة في السينما المصرية، ومع توالي الأعمال، ظل صلاح منصور في حالة بحث دائم عن العمق، حتى بلغت موهبته ذروتها في عقد الستينيات، حيث قدَّم أدوارًا اتسمت بنضج فني لافت، وابتعد عن النمطية السهلة، خاصة في تجسيد شخصيات الشر.

شريرٌ لا يشبه غيره

تميّز صلاح منصور بقدرته الفريدة على تقديم الشر بوصفه انعكاسًا لتعقيدات النفس البشرية، لا باعتباره قوة مطلقة بلا دوافع. وقد تجلّى ذلك في أعمال سينمائية خالدة مثل "لن أعترف"، و"الشيطان الصغير"، و"أرملة وثلاث بنات"، حيث منح شخصياته أبعادًا نفسية وإنسانية جعلتها أقرب إلى الواقع، وأكثر رسوخًا في الذاكرة.

ويظل دوره في فيلم "الزوجة الثانية" علامة فارقة في تاريخه الفني، حين جسَّد شخصية العمدة عتمان، ذلك الرجل المُتسلِّط الذي استخدم نفوذه لإجبار فاطمة على الزواج منه بعد تطليقها من زوجها، أداءٌ بالغ القسوة في مضمونه، بالغ الصدق في أدواته، صنع واحدًا من أكثر أدوار الشر تأثيرًا في تاريخ السينما المصرية، أمام سعاد حسني في واحدة من أنضج تجاربها.

مسرح وإذاعة

لم تقتصر تجربة صلاح منصور على السينما وحدها، بل امتدت بقوة إلى المسرح، حيث قدّّم أعمالًا بارزة مثل "الناس اللي تحت"، و"زيارة السيدة العجوز"، و" يا طالع الشجرة"، مؤكّدًا انحيازه الدائم للمسرح الجاد، كما كان من أوائل نجوم الدراما الإذاعية، ممثلًا ومخرجًا، وأسهم في تقديم عدد من الأعمال المتميزة عبر الأثير مثل الأوبرت الإذاعي "علي بابا" و"جسم للإيجار".

وعلى مستوى العمل الثقافي، شارك مع زكي طليمات في تأسيس المسرح المدرسي، وأسهم في إنشاء فرقة المسرح الحر عام 1954، كما عمل محررًا في مجلة "روزا اليوسف"، في مسار يعكس وعيه بدور الفنان كمثقف وصاحب موقف.

ترك صلاح منصور رصيدًا فنيًا متنوعًا في السينما والدراما، من أبرزها أفلام "الزوجة الثانية"، "البوسطجي"، "البعض يعيش مرتين"، "أمير الانتقام"، "شفيقة القبطية"، "أنف وثلاثة عيون"، و"في الهوا سوا".

وعلى شاشة التلفزيون، شارك في أعمال درامية مهمة مثل "الحب الكبير"، و"لعبة الرجال"، و"طيور بلا أجنحة"، مؤكدًا حضوره القوي مهما اختلف الوسيط الفني.

تكريم يليق بالموهبة

حظي صلاح منصور بتقدير رسمي وفني يوازي قيمته الإبداعية، فنال جائزة أحسن ممثل إذاعي عام 1954، وجائزة السينما عن دوره في "لن أعترف"، كما مُنح وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1966، قبل أن يحصل على جائزة الدولة التقديرية من أكاديمية الفنون عام 1978، في اعتراف متأخر لكنه مستحق.

رحيل الجسد

في 19 يناير 1979، رحل صلاح منصور بعد صراع صامت مع المرض، دون ضجيج، كما عاش كثيرًا من أدواره، إلا أن رحيله لم يكن نهاية، بل بداية لخلود فني حقيقي، تؤكده شخصيات لا تزال نابضة بالحياة، تذكّرنا بأن الموهبة الأصيلة لا تبهت مع الزمن، بل تزداد عمقًا وبريقًا كلما مرّت السنوات.