سعت فعاليات المنتدى الاقتصادي العالمي، التي تنطلق في مدينة دافوس السويسرية، إلى وضع الاستدامة في صدارة جدول الأعمال، في محاولة لربط النقاشات العالمية حول الاقتصاد والسياسة بخطوات عملية تهدف إلى تقليل الأثر البيئي للحدث نفسه، وسط تساؤلات متجددة حول قدرة هذا التجمع الدولي على الإسهام الفعلي في حماية كوكب الأرض.
ركز منظمو المنتدى على جعل الاستدامة مبدأً تشغيليًا أساسيًا وليس مجرد محور نقاش، حيث قال ميريك دوسيك، عضو مجلس الإدارة والمسؤول عن البرامج العالمية في المنتدى، إن التخطيط والتنفيذ يعتمدان على رؤية طويلة الأمد تهدف إلى تلبية احتياجات الحاضر دون الإضرار بقدرة الأجيال المقبلة على العيش في بيئة سليمة، بحسب صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية.
يجمع منتدى دافوس، وهو أكبر اجتماعات المنتدى، نحو 3000 من القادة العالميين من قطاعات الأعمال والسياسة والمجتمع المدني، ويُعقد هذا التجمع في ثلاثة مواقع رئيسية تعتمد على الاستدامة بطرق مختلفة.
رؤية شاملة
اعتمد المنتدى مقاربة شمولية للاستدامة، حيث أوضح دوسيك أن هذا المفهوم يتداخل مع جميع مراحل التخطيط، من تصميم البرامج إلى إدارة الموارد، في الوقت نفسه الذي يستند فيه إلى خبرة تمتد لأكثر من خمسة عقود من تنظيم الاجتماعات في دافوس.
وأشار إلى أن الموقع الجغرافي للمدينة، باعتبارها بلدة جبلية صغيرة تعتمد على بيئتها الطبيعية، يفرض على المنتدى التزامًا يتجاوز مدة الاجتماع السنوي.
عمل المنظمون على التعاون المستمر مع السلطات المحلية والموردين السويسريين، مع إعطاء أولوية للمشتريات المحلية، بهدف ضمان أن يترك المنتدى أثرًا إيجابيًا طويل الأمد على المدينة وسكانها، إضافة إلى تعزيز كفاءة استخدام الموارد وتقليل الانبعاثات.
بصمة الكربون
واجه المنتدى تحديًا رئيسيًا يتمثل في الانبعاثات الناتجة عن السفر الجوي، التي تمثل الحصة الأكبر من البصمة الكربونية للحدث. وفي الأثناء، شجع المنظمون المشاركين القادمين من أوروبا على استخدام القطارات من خلال تغطية تكاليف السفر بالكامل، كما جرى إنشاء محطة قطار مؤقتة بالقرب من مركز المؤتمرات لتسهيل التنقل.
بالنسبة للرحلات الجوية، أطلق المنتدى مبادرات تهدف إلى تعويض الانبعاثات وتعزيز استخدام الوقود المستدام في قطاع الطيران، إلى جانب توفير حافلات عامة ومركبات كهربائية أو هجينة للتنقل داخل دافوس، حيث ارتفعت نسبة هذه المركبات تدريجيًا خلال السنوات الأخيرة.
بنية مؤقتة
اعتمدت دافوس بشكل كبير على منشآت مؤقتة، ما فرض تحديات إضافية تتعلق بالطاقة والبناء. وإلى جانب ذلك، جرى تزويد مركز المؤتمرات بمضخات حرارية وألواح شمسية، فيما استخدمت قرية «كوربارك» أنظمة تدفئة تعتمد على حبيبات الخشب المعاد تدويرها، مع عزل عالي الكفاءة يقلل استهلاك الطاقة.
أعاد المنظمون استخدام المواد والمفروشات لعدة سنوات، وعند استبدالها جرى التبرع بها عبر برامج محلية، بينما خُزنت معظم الهياكل المؤقتة داخل دافوس لتقليل الانبعاثات الناتجة عن النقل، إضافة إلى الاعتماد الكامل على إضاءة «ليد». وساهمت هذه الإجراءات في خفض استهلاك الوقود بنسبة 50% منذ 2023، مع خطط لخفض إضافي خلال السنوات المقبلة.
غذاء ونفايات
استفاد المنتدى من تقنيات الذكاء الاصطناعي لمراقبة استهلاك الغذاء وتقليل الهدر، حيث جرى التبرع بالمكونات الزائدة لمطعم مؤقت مفتوح للجمهور. إضافة إلى ذلك، خُفض استخدام الزجاجات البلاستيكية إلى النصف، وتوقف استخدام عبوات «PET» في مركز المؤتمرات منذ سنوات.
اعتمدت مصادر الغذاء على منتجات محلية وموسمية، إذ شكلت المكونات السويسرية أكثر من 70% من إجمالي الإمدادات، في حين جاء جميع الأسماك من مصادر محلية، ما ساهم في تقليص الأثر البيئي ودعم الاقتصاد المحلي.
اختتم دوسيك بالإشارة إلى أن تحقيق الاستدامة الكاملة يظل عملية تدريجية، تتطلب توازنًا بين الطموح والواقع، مؤكدًا أن المنتدى يعمل على تحسين المشاركة الرقمية وبث مئات الجلسات عبر الإنترنت لتقليل الحاجة إلى السفر، مع السعي المستمر لتطوير هذا النموذج في السنوات المقبلة.