في خطوة وُصِفَت بالأكثر تدميرًا للعمل المناخي الدولي، أمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بانسحاب بلاده من معاهدة الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ، بينما اكتفى قادة أوروبا بصمت مُريب يكشف تحولًا جذريًا في الأولويات الدولية وتخلّيًا عن حلم مكافحة التغير المناخي بشكل جماعي.
تخلٍ أوروبي عن المواجهة
وبحسب صحيفة "بوليتيكو" اختار قادة أوروبا التزام الصمت التام تجاه قرار ترامب، في تناقض صارخ مع ردود الفعل الغاضبة عام 2017 حين انسحب من اتفاق باريس، إذ لم تُعلِّق رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، كما التزم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الصمت، بينما جاء موقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون باهتًا ومحسوبًا.
وفي خطاب لدبلوماسيين فرنسيين، اعترف ماكرون بأن الهجمات الأمريكية على التعددية "تُضعِف جميع الهيئات التي يمكننا من خلالها حل القضايا المشتركة"، لكنه حذَّر مسؤوليه قائلًا: "نحن هنا للعمل وليس للتعليق"، وفقا لـ"بوليتيكو".
القرار الأمريكي يعني أن أغنى دولة في العالم وثاني أكبر مصدر لانبعاثات الغازات الدفيئة لن تشارك في أي جهود أممية لمكافحة الاحتباس الحراري.
وبحسب آراء قانونية، أوردتها "بوليتيكو"، فإن هناك تساؤلات حول ما إذا كانت أي إدارة أمريكية مستقبلية ستتمكن من العودة إلى المعاهدة الإطارية، إذ قد يتطلب الأمر موافقة مجلس الشيوخ كما حدث في التسعينيات من القرن الماضي، ما يجعل الاحتمالية ضئيلة ويرفع من خطر إعادة توازن دائم للقوى داخل العملية الأممية للمناخ.
حسابات جيوسياسية
وفقًا لـ"بوليتيكو"، يعكس هذا الصمت حسابات جيوسياسية معقدة تتعلق بالأزمة الأوكرانية وتهديدات ترامب بشأن جرينلاند، إذ أوضح روبن نيبليت، المدير السابق لمركز "تشاتام هاوس" للشؤون الخارجية، للصحيفة، أن الأوروبيين "يعتمدون بشكل حرج على الاستخبارات الأمريكية والقدرة على شراء الأسلحة الأمريكية لضمان بقاء أوكرانيا"، مما يجعل انتقاد ترامب في قضية المناخ "غير منطقي"، تمامًا كما لم ينتقدوا عمليته في فنزويلا.
سوزي دينيسون، الزميلة الأولى في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، قالت لـ"بوليتيكو"، إن "القادة الأوروبيين يختارون معاركهم في هذه البيئة، وللأسف، عملية الأمم المتحدة للمناخ ليست أولويتهم الكبرى الآن".
وأضافت أن هجمات ترامب على العمل المناخي "فقدت قيمتها الصادمة" لأنها مُتّسِقة مع هدف إدارته المعلن بالانسحاب من العمل المناخي.
وأشارت الصحيفة إلى أن قادة الاتحاد الأوروبي أثبتوا هذا الأسبوع أن انتهاكات القانون الدولي والثقة متعددة الأطراف لا ترقى لمستوى المواجهة مع إدارة ترامب، وأن التهديد المباشر بغزو جرينلاند فقط هو ما حرَّك القادة الأوروبيين للاستجابة.
ردود فعل خافتة
رفضت مكاتب قادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا والمفوضية الأوروبية طلبات "بوليتيكو" للتعليق على انسحاب واشنطن من المعاهدة الإطارية والهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ والصندوق الأخضر للمناخ، وتركوا الرد لحفنة من وزراء البيئة الأقل مرتبة، الذين عبروا عن مزيج من الإحباط والغضب لكن دون صدمة حقيقية.
علَّق وزير المناخ الألماني كارستن شنايدر ببساطة أن القرار "لا يأتي مفاجئًا"، فيما جاء أبرز الانتقادات من نائبة رئيس المفوضية الأوروبية تيريزا ريبيرا، الاشتراكية الإسبانية والمدافعة الصريحة عن العمل المناخي القوي، إذ قالت على وسائل التواصل الاجتماعي: "البيت الأبيض لا يهتم بالبيئة أو الصحة أو معاناة الناس".
وفي المملكة المتحدة، قال حزب الإصلاح اليميني الشعبوي، المتصدر للاستطلاعات حاليًا، إن بريطانيا يجب أن تحذو حذو أمريكا وتتخلى عن معاهدة المناخ.
الفراغ الأمريكي
أشار شنايدر إلى وجهة نظر شائعة بأن الخطوة ستترك الولايات المتحدة معزولة على الساحة الدولية، لكن "بوليتيكو" نبّهت إلى أن خروج واشنطن يترك الأوروبيين أيضًا دون حليف رئيسي في المفاوضات العالمية.
اكتشفت أوروبا معنى غياب أمريكا عن محادثات المناخ الأممية في البرازيل العام الماضي، حين قررت إدارة ترامب عدم إرسال مندوبين، فأحبط تحالف من الاقتصادات الناشئة أي فرصة لتحقيق تقدم ملموس أو لمتابعة الأوروبيين أجندتهم.
في حين أن الانسحاب من الهيئة الحكومية الدولية يأتي بينما تعد تقاريرها العلمية الحيوية التالية حول المناخ.
ورغم أن الخطوة لا تمنع العلماء الأمريكيين الأفراد من المساهمة، فإن واشنطن لن تتمكن من التأثير على ملخصات التقارير التي توجِّه صانعي السياسات والتي تحتاج موافقة جميع الحكومات.
وكما هو الحال مع محادثات المناخ الأممية، قد يتقدَّم آخرون لملء الفراغ الأمريكي، لكن دينيسون تعتقد أن الأوروبيين لن يكونوا هم من يفعل ذلك.
وقالت لـ"بوليتيكو": "لم أعد متفائلة حتى بشكل بعيد بأن أوروبا قادرة الآن على لعب هذا الدور"، مشيرة إلى الانقسامات المتزايدة حول العمل المناخي بين حكومات الاتحاد الأوروبي والتراجعات في التشريعات الخضراء الرئيسية خلال العام الماضي، مؤكدة: "لا أعتقد أن الأوروبيين سيملؤون أي فراغ".