تواجه أوروبا تحديًا غير مسبوق في قمة المناخ COP30 التي تنطلق اليوم الاثنين، في مدينة بيليم البرازيلية، إذ تجد نفسها وحيدة على خط المواجهة بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التغيب عن القمة، وللمرة الأولى منذ عقود، يتحمل الاتحاد الأوروبي وحده عبء الضغوط والمطالب التي تفرضها الدول النامية على الدول الغنية، في دورٍ اعترف دبلوماسي أوروبي كبير لصحيفة "بوليتيكو" بأنه "غير مريح" للتكتل الذي اعتاد الاختباء خلف واشنطن.
تراجع أوروبي عن السياسات الخضراء
رغم أن الاتحاد الأوروبي يبدو المرشح الطبيعي لملء الفراغ القيادي، بفضل أهدافه المناخية الطموحة وسياساته الملموسة، إلا أن الواقع يكشف عن صورة أكثر تعقيدًا، فالتكتل يصل إلى بيليم وهو يعاني من شكوك متزايدة حول تحوله الأخضر داخليًا، ويفتقر إلى النفوذ الدبلوماسي الكافي، وفق ما أوردته "بوليتيكو".
داخل حدود الاتحاد، تتصاعد موجة من التراجع عن السياسات الخضراء، مدفوعة بصعود اليمين المتطرف وضغوط القطاعات الصناعية الملوثة التي تطالب بكبح جماح الإجراءات المناخية.
هذا الواقع دفع الحكومات الأوروبية إلى إضعاف القوانين البيئية والتشاجر حول وتيرة خفض الانبعاثات الكربونية، في وقت تحاول فيه بروكسل إقناع دول كالصين والهند بزيادة طموحاتها المناخية.
أزمة الأهداف المتأخرة
أخفق الاتحاد الأوروبي في الوفاء بالموعد النهائي الذي حددته الأمم المتحدة في سبتمبر لتقديم أهدافه المناخية لعام 2035، بعد عجز حكوماته عن التوصل إلى اتفاق.
وعندما أعلن أخيرًا عن هدفه، جاء على شكل نطاق واسع لخفض الانبعاثات يتراوح بين 66.3% و72.5% مقارنة بمستويات عام 1990، بدلًا من الهدف الثابت عند 72.5% الذي كانت المفوضية الأوروبية قد أشارت إليه دون إعلانه صراحة.
هذا التأخير والتراجع أثارا غضب الصين بشكل لافت، ففي لقاء رفيع المستوى جمع مسؤولي المناخ من الجانبين في شهر يوليو، وجّه المسؤولون الصينيون انتقادات لاذعة لنظرائهم الأوروبيين بسبب ما اعتبروه تنصلًا من الالتزامات المناخية.
معركة كلامية مع بكين
مسؤول أوروبي شارك في هذا الاجتماع روى لصحيفة "بوليتيكو" تفاصيل اللقاء دون الكشف عن اسمه، قائلًا إن الوفد الصيني استخدم عبارات قاسية واصفًا تصرفات الاتحاد الأوروبي بأنها "عار" لأنه يتخلى عن تعهداته ويقلص سقف أهدافه المناخية، مضيفًا أن المشهد كان "بالغ الحرج" للجانب الأوروبي.
لكن الخلافات مع بكين لا تقتصر على موضوع تأخر الأهداف فحسب، إذ كشفت الصين في سبتمبر الماضي عن نيتها تقليص انبعاثاتها الكربونية بمعدلٍ يتراوح بين 7% و10% بحلول عام 2035، محتسبة من ذروة الانبعاثات التي يُعتقد أنها بلغتها خلال العام الجاري دون تحديد رقم واضح.
رغم أن هذا يمثل أول التزام صيني كبير بخفض الانبعاثات، إلا أنه يبقى دون التوقعات بمراحل، سواء من حيث ما يراه الخبراء قابلًا للتحقيق، أو مقارنة بنسبة الـ30% التي كانت بروكسل تأمل فيها.
ردّ مسؤول المناخ الأوروبي فوبكه هوكسترا بوصف الإعلان الصيني بأنه "مخيب للآمال بوضوح"، وهو تصريح أثار استياءً نادرًا من الصين التي اشتكت من "المعايير المزدوجة" وحذرت من أن انتقاده العلني "يقوّض أجواء التعاون".
يرى البعض أن هذا يمثل خطوة إيجابية من الاتحاد نحو تحمّل المسؤولية، إذ قال دبلوماسي أوروبي ثانٍ: "اعتدنا أن تلعب الولايات المتحدة دور الشرطي السيئ ونحن الشرطي الجيد، لذا علينا كاتحاد أوروبي أن نتعلم القيام بالدورين معًا".
لكن آخرين انتقدوا أسلوب هوكسترا، إذ تقول سيسيليا تراسي، المستشارة في مركز "إيكو" الإيطالي، إن الموقف "غير مجدٍ"، مشيرة إلى أن الشكوى الشائعة خلال زيارتها الأخيرة للصين، حتى في محادثاتها مع المسؤولين، كانت أن "الاتحاد الأوروبي منافق ولا يعترف بما يكفي بالتقدم الذي أحرزته الصين".
غياب الوجوه المخضرمة
يعاني الاتحاد من نقصٍ حاد في المفاوضين السياسيين المتمرّسين الذين يتولّون المفاوضات في المؤتمر، إذ شهد العام الماضي تغييرات جذرية أفقدت الاتحاد شخصيات بارزة، فقد ألغت الحكومة الألمانية الجديدة منصب مبعوث المناخ الذي كانت تشغله جينيفر مورغان المخضرمة، بينما أطاحت الانتخابات الأيرلندية بوزير المناخ الأخضر إيمون رايان الذي شارك في قيادة مفاوضات العام الماضي حول الاستعداد للكوارث المناخية، وهي قضية محورية في بيليم. كما انضم مفاوضان عريقان، الدنماركي دان يورجنسن والإسبانية تيريزا ريبيرا، إلى المفوضية لكنهما لن يحضرا COP30.
الغياب الأمريكي جعل الأمور أكثر صعوبة، إذ يقول دبلوماسي أوروبي ثالث إن التواصل مع الصين "كان أسهل عندما كانت الولايات المتحدة موجودة، خاصة عندما كان كيري وشي يتحدثان كل شهرين، إلا أن الأمر أكثر عشوائية الآن". حتى أوائل الصيف، كانت بروكسل وبكين لا تزالان تتحدثان عن تقديم أهداف 2035 معًا لإظهار قيادة مشتركة، لكن العملية المعقدة لاتخاذ القرارات في الاتحاد وتأخر هوكسترا في اقتراح أهداف جديدة حتى يوليو أفشل الخطة.
التجارة تلقي بظلالها على المناخ
تتفاقم التوترات المناخية بفعل الصراعات التجارية، إذ يشعر الاتحاد بقلقٍ متزايد من هيمنة الصين على التقنيات والمواد الحيوية للتحول الأخضر، فيما تدفع الموجة المحلية ضد السياسات الخضراء بانهيار القاعدة الصناعية التقليدية للتكتل، حيث تتفوق الصين المدعومة حكوميًا على أوروبا في كل شيء من السيارات الكهربائية إلى توربينات الرياح.
على الجانب الآخر، تشعر بكين بالانزعاج الشديد من ردّ فعل الاتحاد الأوروبي على سيطرتها الصناعية، إذ فرضت بروكسل نظامًا جديدًا يُعرف باسم "آلية تعديل الكربون الحدودية" أو اختصارًا CBAM. هذا النظام يفرض رسومًا إضافية على الواردات من الدول التي لا تلتزم بمعايير بيئية صارمة مماثلة لتلك المطبقة في أوروبا، بهدف منع الشركات الأوروبية من خسارة حصتها في السوق أمام منافسين أجانب يتمتعون بحرية أكبر في التلويث.
تعتبر الصين وحلفاؤها هذه الآلية سلاحًا حمائيًا يستهدف إبعاد منتجات الدول النامية عن الأسواق الأوروبية، وسبق أن حاولت مرارًا طرحها للنقاش في قمم مناخية سابقة دون نجاح، وستعاود المحاولة في قمة بيليم، لكن هذه المرة دون وجود أمريكي يساند الاتحاد في التصدي لهذه الضغوط.
تشير المستشارة تراسي إلى أن "القضية الأكبر التي تخيّم على العلاقة بين الطرفين هي آليةCBAM"، محذّرة من أن "سوء التعامل مع هذا الملف الشائك قد يحوّل الأجواء إلى بيئة معادية تهدد ليس بالضرورة مسار المفاوضات برمّته، لكنها بالتأكيد ستعصف بأي فرصة للتعاون الثنائي بين بروكسل وبكين".