مع اقتراب الموعد النهائي لتمويل الحكومة الأمريكية في 30 يناير، يعود شبح الإغلاق الحكومي ليُطارد واشنطن من جديد، لكن هذه المرة بملامح مختلفة تمامًا عن المشهد الذي سبق الأزمة التاريخية في أكتوبر الماضي، فبعد تجربة الإغلاق الأطول في تاريخ أمريكا وتداعياته السياسية الكارثية، يبدو أن الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء، يسعون بكل قوة لتجنب تكرار السيناريو الكارثي، وفق ما كشفته صحيفة "بوليتيكو" الأمريكية.
هل تعلمت واشنطن الدرس؟
تشير الصحيفة إلى أنه بالرغم من أن احتمالية الإغلاق لا تزال قائمة بفعل الطبيعة المُتقلِّبة للسياسة في عهد الرئيس دونالد ترامب، والصعوبات المزمنة في تمرير قوانين التمويل بالكونجرس، فإن المؤشرات الحالية ترجح حدوث تحول جذري في المزاج السياسي العام، إذ وصف زعيم الأغلبية بمجلس الشيوخ جون ثون، الإغلاق بأنه "سام لكلا الحزبين"، مؤكدًا أن لا أحد من الطرفين يرغب في رؤيته يتكرر الشهر المقبل.
التحوُّل الأبرز جاء من الديمقراطيين، الذين قرروا عدم المطالبة بصفقة رعاية صحية مقابل الموافقة على التمويل، في انقلاب كامل عن إستراتيجيتهم التي أدت لأزمة أكتوبر الخانقة.
وشدد السيناتور ديك دوربين من إلينوي، نائب الزعيم الديمقراطي، على هذا الموقف قائلًا: "لا أريد رؤية إغلاق حكومي آخر، لقد شبعت من هذه التجارب المريرة".
ترامب يتراجع عن التصعيد
تغيَّرت لهجة البيت الأبيض بشكل لافت هذه المرة، فبدلًا من التهديدات والضغوط التي مارسها ترامب على حلفائه الجمهوريين قبل أزمة أكتوبر ومنعهم من التفاوض مع الديمقراطيين، يدفع الآن بهدوء باتجاه إقرار مشاريع الموازنة ويترك لهم حرية التوصل لتفاهمات مع الطرف الآخر، كما كشف مصدران مطلعان للصحيفة، عن أن البيت الأبيض "لم ينخرط بكثافة" في المفاوضات الجارية، وهو ما تراه القيادة الجمهورية بمجلس النواب مؤشرًا إيجابيًا يسمح للطرفين بـ"العمل بشكل بنَّاء لتفادي كارثة جديدة".
السيناتور الجمهوري ماركواين مولين من أوكلاهوما، أحد أقرب المُقرَّبين من ترامب، أكد أن "الكونجرس يحتاج لممارسة دوره وإنجاز مشاريع الاعتمادات، ولا نحتاج تدخل الرئيس في الوقت الراهن".
فيما أوضح السيناتور ثوم تيليس من كارولينا الشمالية، أن محادثاته مع مسؤولي البيت الأبيض تؤكِّد أن "الإدارة تريد بكل تأكيد تجنب الإغلاق وترسل رسائل واضحة بأهمية المضي قدمًا في الاعتمادات بالطريقة المعتادة".
ثمن باهظ لأزمة أكتوبر
توضح "بوليتيكو" أن السر وراء هذا التحوُّل الكبير يكمُن في الفاتورة السياسية الباهظة التي دفعها الجمهوريون جراء الإغلاق السابق، إذ اعترف ترامب نفسه، في نوفمبر الماضي، أمام أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين، بأن الإغلاق كان "كارثيًا على الحزب" وشكَّل "عاملًا حاسمًا" في خسارة الجمهوريين لانتخابات فرجينيا ونيوجيرسي.
وأكد السيناتور جوش هاولي من ميزوري، أن "الرئيس كان أول من أقرَّ بالصلة المباشرة بين نتائج نوفمبر الانتخابية المُخيبة وبين كارثة الإغلاق"، واصفًا ترامب بالذكاء، ومُستبعِدًا رغبته في تكرار التجربة المريرة.
هذا الدرس القاسي جعل الجمهوريين أكثر حرصًا على تجنب أي أزمة جديدة، خاصةً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، إذ عبَّر السيناتور جون كورنين من تكساس، عن هذا القلق صراحةً، قائلًا: "حتى لو كان الخطأ من الديمقراطيين، طالما نسيطر على البيت الأبيض والأغلبية بالمجلسين فسنُلام نحن، وهذا ظلم لكنه الواقع، لذا يجب بذل كل جهد ممكن لتفادي الكارثة".
عقبات تهدد بعودة الكابوس
تشير الصحيفة إلى أن الواقع يقول إن الطريق غير مُمهَّد أمام واشنطن لتجاوز الأزمة، إذ إن العديد من العقبات لا تزال قائمة وقد تفجر الموقف في أي لحظة.
الشهر الماضي شهد تدخلًا من البيت الأبيض لإقناع ثلاثة من أعضاء مجلس الشيوخ المحافظين المتشددين، وهم ريك سكوت ومايك لي ورون جونسون، بالتوقف عن تعطيل حزمة تمويل من خمسة مشاريع، إذ تدخل ترامب شخصيًا لإقناع جونسون بتعهُّدات بتمرير مشروعه لضمان دفع رواتب بعض الموظفين الفيدراليين خلال الإغلاقات المحتملة.
قرار إداري مثير للجدل أطاح بكل تلك الجهود وأفشل تمرير مشروع التمويل قبل عطلة الأعياد، إذ أعلن السيناتوران الديمقراطيان مايكل بينيت وجون هيكنلوبر، تعطيلهما لاتفاق التمويل؛ احتجاجًا على قرار مدير ميزانية البيت الأبيض راسل فوت بتفكيك المركز الوطني لأبحاث الغلاف الجوي في ولايتهما كولورادو.
السباق مع الزمن
رغم إعلان كبار الجمهوريين عن اتفاق حول الأرقام الإجمالية لمشاريع التمويل المتبقية، مما أعطى دفعة للمحادثات بين مجلسي الكونجرس، إلا أن الوقت ينفد بسرعة.
وألقى زعيم الأقلية الديمقراطية تشاك شومر، الكرة في ملعب الجمهوريين لحل معضلة تمويل كولورادو، بينما تستمر المحادثات خلال عطلة الأسبوعين.
أما السبب الذي جعل الديمقراطيين يتخلون عن مطلبهم بشأن الرعاية الصحية، فيعود لانتهاء صلاحية الإعانات المعززة لأقساط الأوباماكير في الأول من يناير بالفعل.