لم تكن سيليا فلوريس مجرد زوجة لرئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، الذي اعتقلته القوات الأمريكية من قصره الرئاسي، بل ظلت لعقود اسمًا حاضرًا في كواليس السلطة ودهاليز الحركة الاشتراكية الفنزويلية، ومع فجر السبت، خرجت هذه الشخصية الجدلية من خلف الستار، بعدما ألقي القبض عليها رفقة زوجها.
القبض والاتهام
ألقي القبض على سيليا فلوريس فجر السبت، رفقة زوجها نيكولاس مادورو، إذ اقتادتهما القوات الأمريكية من غرفة نومهما، قبل تهريبهما سريعًا خارج البلاد، تمهيدًا لمحاكمتهما في الولايات المتحدة بتهم تهريب المخدرات.
وتعرف فلوريس بلقب "سيليتا" لدى مادورو، وشغلت موقع السيدة الأولى لأكثر من عقد، فيما يطلق عليها رسميًا داخل حركة تشافيز الاشتراكية مسمى "المقاتلة الأولى".
النشأة والبدايات
ولدت سيليا فلوريس عام 1956 في بلدة تيناكيلو بوسط فنزويلا، ونشأت في أحياء الطبقة العاملة غرب كاراكاس، التقت مادورو في بدايات حركة تشافيز، وعملت بصفتها محامية متخصصة في قانون العمل والقانون الجنائي على تقديم الدعم القانوني لهوجو تشافيز وضباط عسكريين آخرين اعتقلوا بعد محاولة الإطاحة بالرئيس كارلوس أندريس بيريز عام 1992، وفي تلك الفترة، كان مادورو أيضًا يناضل من أجل إطلاق سراح تشافيز وكان ضمن فريق حمايته.
وانتخبت فلوريس عضوًا في الجمعية الوطنية عام 2000، ثم فازت بالمقعد مجددًا عام 2005، وفي عام 2006 أصبحت أول امرأة تتولى رئاسة البرلمان، خلفًا لمادورو الذي شغل منصب وزير الخارجية.
وخلال ولايتها، منعت الصحفيين من دخول قاعة المجلس، ووجهت إليها انتقادات بسبب توظيف أقاربها، ما ردت عليه في مقابلة مع صحيفة "لا فانجوارديا" الإسبانية، مؤكدة صحة التعيينات ومعتبرة الاتهامات حملة تشويه.
وبين عامي 2009 و2011، شغلت منصب نائب الرئيس الثاني للحزب الاشتراكي الموحد لفنزويلا، قبل أن يُعينها تشافيز عام 2012 مدعيًا عامًا.
ورافقت مادورو في زيارة تشافيز، خلال علاجه من السرطان في كوبا، وحمل حسابها على تويتر عند إنشائه عام 2015، اسم "ابنة تشافيز"، قبل أن تغيره لاحقًا إلى "تشافيستا".
زواج ونفوذ
تزوج فلوريس ومادورو، يوليو 2013، بعد أكثر من عقدين من العلاقة، عقب فوز مادورو في الانتخابات الرئاسية، وصرّحت كارمن أرتيجا، الأستاذة المشاركة بجامعة سيمون بوليفار، وفق شبكة CNN، أن فلوريس تمتلك خلفية سياسية بارزة، وأنها رغم تراجع ظهورها الإعلامي بعد توليها موقع السيدة الأولى، ظلت قوة مؤثرة خلف الكواليس ومستشارة رفيعة المستوى.
بحسب أرتيجا، كان دعم فلوريس لمادورو أساسيًا خلال صراعات الخلافة داخل حركة تشافيز، في مواجهة شخصيات بارزة مثل رافائيل راميريز وديوسدادو كابيلو وإلياس جاوا، وأشارت إلى أنه لم يكن هناك شك في أن فلوريس كانت أقوى امرأة في البلاد طالما بقي نظام تشافيز في السلطة.
وقالت عالمة السياسة إستيفانيا رييس، وفق شبكة CNN، إن نفوذ فلوريس كان يمارس خلف الكواليس ولم يكن مؤسسيًا، ما يصعب تقييمه وضمان المساءلة.
وأضافت أن دورها لم يصل إقيادة مزدوجة رسمية، بخلاف حالات أخرى في أمريكا اللاتينية، مشيرة إلى أن النظام استثمر صورتها كشخصية أمومية أكثر من كونها منافسة سياسية.
لم يستخدم منصب السيدة الأولى في فنزويلا لسنوات، ومع وصول مادورو إلى الحكم أطلق على فلوريس لقب "المقاتلة الأولى" باعتبار أن مصطلح السيدة الأولى مفهوم أرستقراطي.
قضية الأقارب
عاد اسم فلوريس إلى الواجهة عام 2015، بعد إلقاء القبض على اثنين من أبناء أخيها في هايتي من قبل عناصر سرية من إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية.
ورغم وصفها الحادثة بالاختطاف، تمت محاكمتهما في نيويورك وإدانتهما بالتآمر لاستيراد الكوكايين، وحكم عليهما بالسجن 18 عامًا، قبل إطلاق سراحهما عام 2022 ضمن صفقة تبادل.
وفرضت كندا عام 2018 عقوبات على فلوريس إلى جانب 13 مسؤولًا آخرين، عقب إعلان منظمة الدول الأمريكية أن حكومة مادورو ارتكبت جرائم ضد الإنسانية، وبعدها فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات إضافية، معتبرة أن مادورو يعتمد على دائرته المقربة للبقاء في السلطة، ورد مادورو حينها بتصريح قال فيه إن جريمة فلوريس الوحيدة هي كونها زوجته.
عودة رسمية
بحلول ذلك الوقت، كانت فلوريس عادت إلى القصر التشريعي بعد انتخابها عام 2017، عضوًا في الجمعية التأسيسية، ثم نائبة في الجمعية الوطنية عام 2021، المنصب الذي كانت تشغله عند اعتقالها.
وأكدت كارمن أرتيجا، الأستاذة المشاركة بجامعة سيمون بوليفار، أن صورة فلوريس الشعبية لا تختلف عن صورة مادورو، وأن الرأي العام ينظر إليهما ككيان واحد.
وأضافت أنه خلال حملة 2024 الرئاسية، رافقت فلوريس زوجها في فعاليات عدة، وظهرت ترقص معه على المسرح، لتبقى حتى لحظة الاعتقال شخصية مثيرة للجدل في المشهد الفنزويلي.