في لحظة هزت توازنات السياسة الدولية، فتح اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته على يد قوات أمريكية بابًا واسعًا للتساؤل حول انعكاساته على الصين وروسيا، بوصفهما أبرز داعميه الخارجيين.
في عملية عسكرية أمريكية مباغتة أطلق عليها اسم "العزم المطلق"، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 3 يناير 2026 عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس من داخل مقر إقامتهما في العاصمة "كاراكاس".
استعراض القوة
تشير تحليلات -وفق صحيفة "ذا تليجراف" البريطانية- إلى أن أي عملية عسكرية في فنزويلا، الدولة الكبيرة حجمًا والمحاطة بجيش وميليشيات موالية، كانت تبدو مرشحة لتكرار سيناريو غزو العراق عام 2003، بما حمله من فوضى وتداعيات طويلة الأمد.
غير أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفق "ذا تليجراف"، أربك منتقديه بتنفيذ عملية سريعة وموضعية، قورنت بعمليات تنسب عادة إلى الموساد الإسرائيلي، وجرى تقديمها داخليًا كأسرع تغيير نظام من نوعه منذ أكثر من قرن.
هذا النجاح، كما يصوره ترامب، يعزز صورة الهيمنة الأمريكية، لكنه في الوقت ذاته يثير قلق موسكو وبكين اللتين تعتبران فنزويلا ركنًا أساسيًا في التحالف العالمي المناهض لواشنطن.
تشجيع للقوى الأخرى
ويذهب محللون وفقًا للصحيفة إلى أن هذا القلق قد يكون محدودًا، إذ قد تخلص موسكو وبكين إلى أن ترامب يفضل فرض الهيمنة إقليميًا على حساب المواجهة العالمية، مكتفيًا بعمليات محدودة ضد خصوم أضعف، كما حدث في نيجيريا واليمن وإيران.
وتستند "ذا تليجراف" إلى مؤشرات عدة، من بينها ما أوردته إدارة ترامب في إستراتيجيتها للأمن القومي التي نُشِرت أوائل ديسمبر، والتي أكدت تحولًا نحو رؤية تقوم على مناطق النفوذ ومبدأ أمريكا أولًا.
قد يُفسَّر اعتقال مادورو في كل من موسكو وبكين كجزء من انسحاب أمريكي نسبي من دور "الشرطي العالمي"، وهو ما قد يشجع قوى أخرى على توسيع نفوذها بدلًا من ردعها.
في المقابل، يرفض مسؤولون أمريكيون هذا الطرح، معتبرين أن إعادة ترسيخ الهيمنة في نصف الكرة الغربي شرط لاستعادة النفوذ العالمي، وهو ما عبر عنه ماوريسيو كلافير كارون، المبعوث السابق لترامب إلى أمريكا اللاتينية، وفق صحيفة "نيويورك تايمز" حين قال إنه لا يمكن أن تكون قوة عالمية مهيمنة دون أن تكون القوة الإقليمية المهيمنة.
مبدأ مونرو
مبدأ مونرو، هو موقفٌ في السياسة الخارجية الأمريكية يعارض الاستعمار الأوروبي في نصف الكرة الغربي. وينص على أن أي تدخل في الشؤون السياسية للأمريكيتين من قِبل قوى أجنبية يُعدّ عملًا عدائيًا محتملًا ضد الولايات المتحدة. شكّل هذا المبدأ محورًا أساسيًا في الاستراتيجية الأمريكية الكبرى في القرن العشرين.
وأعاد ترامب إحياء مبدأ مونرو لعام 1823، بل وسعه من خلال مواقف مثيرة للجدل، كاعتبار كندا الولاية الحادية والخمسين، وإعادة تسمية خليج المكسيك، والمطالبة بجرينلاند، وصولاً إلى تغيير النظام في فنزويلا.
ومهدت إدارته لذلك عبر تصنيف عصابة "ترين دي أراجوا" منظمة إرهابية، واتهام مادورو بالتآمر لتهريب المخدرات، ثم مضاعفة المكافأة المخصصة للقبض عليه، وصولاً إلى تصنيف كارتل "دي لوس سوليس" منظمة إرهابية، وهي خطوات شكك منتقدون في دوافعها القانونية.
ويرى محللون أن سياسة ترامب تجاه فنزويلا كانت تهدف أساسًا إلى تغيير النظام، لا إلى مكافحة المخدرات، مستشهدين بأن الفنتانيل الذي يغذي وباء المخدرات في الولايات المتحدة لا يأتي من فنزويلا بل من الصين وكولومبيا.
ولعبت اعتبارات داخلية دورًا مهمًا، من بينها مطالب القاعدة الانتخابية الجمهورية في جنوب فلوريدا، والرغبة في الظهور بمظهر المتشدد في ملفات الهجرة والأمن.
ومع ذلك، فإن لهذه السياسة تبعات إقليمية ودولية، إذ تخشى دول أمريكا الجنوبية عودة حقبة التدخلات العسكرية، بينما قد تواجه كوبا ونيكاراجوا مخاطر إضافية إذا فقدتا النفط الفنزويلي المدعوم.
تأثر موسكو وبكين
وترى "ذا تلجراف" أن روسيا والصين ستتضرران اقتصاديًا، نظرًا لاستثمارات موسكو في حقول نفط أورينوكو، وكون بكين أكبر دائن لفنزويلا.
وفي المقابل، قد تستفيد روسيا سياسيًا من الغضب العالمي، بعدما سارعت إلى إدانة العملية واعتبارها عملًا عدوانيًا مسلحًا، مستثمرة ذلك لتبرير حربها في أوكرانيا. أما الصين، فتواجه سابقة خطيرة تتعلق باستخدام قوة عظمى (أمريكا) لتغيير نظام في جوارها، وهو ما قد يدعوها إلى استعادة جزيرة تايوان إلى الوطن الأم وهو الأمر الذي قد يثير قلق تايبيه خلال الفترة المقبلة.
وقد ترى كل من موسكو وبكين في هذه التطورات ملامح نظام عالمي جديد، قائم على مناطق نفوذ إقليمية، مع تراجع الدور الأمريكي العالمي وبروز عالم متعدد الأقطاب طال انتظاره.