كشفت صحيفة بوليتيكو الأمريكية عن دفع إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية ملايين الدولارات لشراء تقنيات مراقبة متطورة من شركات إسرائيلية وأمريكية، في وقت تتراجع فيه الضوابط الحكومية على استخدام البيانات الشخصية للمواطنين.
كليرفيو الإسرائيلية
في صفقة أثارت جدلًا واسعًا، أنفقت وكالة الهجرة الأمريكية 3.8 مليون دولار في سبتمبر الماضي للحصول على أدوات التعرف على الوجوه من شركة "كليرفيو إيه آي"، التي تدير قاعدة بيانات ضخمة تضم 30 مليار صورة تم جمعها من مواقع الإنترنت، وفق ما كشفته "بوليتيكو".
والمثير للقلق أن العقد ينص على استخدام هذه التقنية في التحقيقات المتعلقة بالاعتداءات على ضباط إنفاذ القانون، ما يوسع نطاق عمل الوكالة ليتجاوز مهمتها الأصلية في مراقبة نقاط الهجرة.
مطاردة البشر
كشفت السجلات الفيدرالية عن توسع هائل في إنفاق الوكالة على تقنيات المراقبة، إذ تخطط لضخ أكثر من 300 مليون دولار في شراء أدوات مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وبرامج تحديد مواقع الهواتف، والطائرات بدون طيار، وقارئات لوحات السيارات، وماسحات قزحية العين.
ووقعت الوكالة في أكتوبر عقدين لخدمات "تتبع المفقودين" بقيمة 8 ملايين دولار، وهي تقنيات يستخدمها عادة جامعو الديون وصائدو المكافآت لتعقب الأشخاص عبر هوياتهم الجديدة.
وتوسعت طموحاتها بشكل كبير في نوفمبر، إذ طرحت مناقصة بقيمة محتملة تصل إلى 281 مليون دولار، ثم منحت في ديسمبر عقودًا لـ10 شركات بقيمة إجمالية تتجاوز مليار دولار بحلول 2027، بحسب موقع "ذي إنترسبت".
كما أعلنت مجلة "وايرد"، في أكتوبر، عن خطط الوكالة لتوسيع مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي، لتفحص مليارات المنشورات؛ بحثًا عن معلومات تساعد في عمليات إنفاذ قوانين الهجرة.
انتهاك الخصوصية
إلى جانب التقنيات المتطورة، حصلت وكالة الهجرة على إمكانية وصول غير مسبوقة لقواعد البيانات الحكومية الحساسة، إذ أبرمت الوكالة اتفاقيات واسعة النطاق مع إدارة الضمان الاجتماعي ومصلحة الضرائب الأمريكية ووزارة الصحة والخدمات البشرية للحصول على معلومات شخصية دقيقة عن المواطنين، تشمل العناوين والبيانات المصرفية ومعلومات الاتصال.
وتشير التقديرات إلى أن اتفاقية الوكالة مع إدارة الضمان الاجتماعي تتوقع طلب 50 ألف سجل شهريًا، بينما طلبت أكثر من مليون سجل من مصلحة الضرائب في الأشهر الأربعة التالية لتوقيع الاتفاقية في أبريل الماضي.
لتبرير هذا الوصول الواسع، استندت الوكالة إلى خمسة أوامر تنفيذية أصدرها الرئيس دونالد ترامب هذا العام بشأن إنفاذ قوانين الهجرة ومنع الاحتيال.
وأوضح أليكس جويل، الموظف السابق لحماية الحريات المدنية بمكتب مدير الاستخبارات الوطنية، لـ"بوليتيكو"، أن هذه الأوامر تمنح اتفاقيات مشاركة البيانات حماية قانونية ضئيلة حال الطعن عليها، مشيرًا إلى أنها تشبه التحول الذي شهدته المراقبة الحكومية بعد هجمات 11 سبتمبر.
مراقبة المعارضين
وتوضح الصحيفة الأمريكية أن الجانب الأكثر إثارة للجدل هو توسيع مهمة الوكالة لتشمل تتبع منتقديها والمواطنين الأمريكيين، إذ أشار تقييم أثر الخصوصية -الذي نشرته وزارة الأمن الداخلي في أغسطس- إلى رغبة الوكالة في استخدام أدوات مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي لتعقب التهديدات ضد موظفيها من أفراد الجمهور.
وذهبت وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم أبعد من ذلك، إذ قالت للصحفيين في يوليو إن "العنف هو أي شيء يهددهم وسلامتهم"، بما في ذلك تصوير ضباط الوكالة أثناء عملهم.
وعلق ماثيو جواريليا، المحلل الأول لسياسات المراقبة والتكنولوجيا في مؤسسة الحدود الإلكترونية، لـ"بوليتيكو"، قائلًا إن الوكالة تجاوزت مسؤوليتها الأولية ودخلت بالكامل مجال المراقبة السياسية للمحتجين والمعارضين، مضيفًا: "إنهم ينشئون بنية تحتية للمراقبة الآلية الجماعية، والسؤال الذي يجب أن نطرحه هو: لأي غرض؟".
معارك قانونية
يأمل معارضو الاستخدام الواسع للبيانات في استخدام المحاكم لمنع إدارة ترامب من إنشاء قاعدة بيانات مركزية لمعلومات الأشخاص، ورفعوا دعاوى قضائية متعددة ضد الإدارة، زاعمين انتهاكها حماية الخصوصية بمشاركة بيانات الوكالات مع الهجرة.
وأصدر قضاة أوامر تجميد مؤقتة لوصول الوكالة إلى بيانات برنامج "ميديكيد" الصحي ومعلومات دافعي الضرائب، بينما يواصل البيت الأبيض الدفاع عن حقها القانوني في الحصول على هذه البيانات.
تحت الضغط القانوني، تراجعت إدارة ترامب عن بعض طلبات البيانات، ففي جلسة استماع بتاريخ 9 ديسمبر أمام القاضي الفيدرالي فينس شابريا، المعيَّن من قِبل الرئيس الأسبق باراك أوباما، قال مايكل جيراردي من وزارة العدل إن طلب الوكالة أضيق بكثير مما كان معلنًا، موضحًا أن الوكالة تسعى للحصول على معلومات عن الأفراد ذوي وضع الهجرة غير المرضي فقط.
لكن القاضي أعرب عن مخاوفه من التأثير المثبط لوصول الوكالة إلى بيانات مستفيدي "ميديكيد" على الرعاية الصحية العامة، ومدد تجميد الوصول حتى جلسة استماع في يناير.