في 20 يناير 2025، عاد دونالد ترامب ليؤدي اليمين الدستورية مرة أخرى رئيسًا للولايات المتحدة لولاية ثانية، وفي خطاب التنصيب ركَّز على قضايا سيشكل بها طريقة تعامل أمريكا مع العالم خلال الاثني عشر شهرًا التالية والسنوات الثلاث التي تليها، كانت الهجرة والأمن القومي والطاقة، هي ما شكّل ما اعتُبر من أطول خطب التنصيب في التاريخ الحديث.
واتسم عام 2025 بكثافة القرارات التنفيذية، وتصاعد الاستقطاب الداخلي، ومواجهات قضائية متكررة، مقابل حضور قوي للسياسة الخارجية والأمنية.
وخلال أول عام 2025، وقع ترامب 255 أمرًا تنفيذيًا، وهو رقم قياسي، شملت الهجرة والتعليم والطاقة واللوائح الفيدرالية وإعادة تسمية خليج المكسيك بـ"خليج أمريكا"، وواجه عدد كبير منها طعونًا قضائية، ولا تزال العديد منها في انتظار الفصل القضائي.
أيضًا، شهدت الولايات المتحدة في العام المنصرم احتجاجات واسعة، أبرزها احتجاجات "لا ملوك (No Kings) في يونيو وأكتوبر 2025، كما خاضت إدارة ترامب معارك قانونية انتهت بأحكام من المحكمة العليا تقيد صلاحيات نشر الحرس الوطني، والعديد من القرارات الهادفة لتفكيك الحكومة الأمريكية.
وخارجيًا، تمثلت ذروة انتصارات ترامب في تحقيق ما لم يقدر عليه سلفه الديمقراطي جو بايدن، وهو إنهاء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وتحقيق السلام بين عدد من البلدان أو إخماد صراعاتها المتوترة، بينما عاد ليفتح اتصالات مباشرة مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، والذي التقاه في ألاسكا.
في المقابل، يستعد ترامب لشن حرب على فنزويلا للإطاحة بنظام الرئيس نيكولاس مادورو، والذي صنّفته إدارة ترامب باعتباره إرهابيًا أجنبيًا.
بينما أعلن ترامب عن أسطوله الذهبي الجديد، وإقامة عرض عسكري ضخم بمناسبة مرور 250 عامًا على تأسيس الجيش الأمريكي، اختتم العام بإصداره أمرًا تنفيذيًا يستهدف عودة الولايات المتحدة إلى القمر بحلول 2028.
وبحلول منتصف ديسمبر 2025، كان ترامب وقّع أوامر تنفيذية في هذه الولاية أكثر مما وقّعه خلال ولايته الأولى كاملة، كما أشارت صحيفة "واشنطن بوست"، وشملت قراراته 56 مذكرة رئاسية و114 إعلانًا، وهو ما يعكس استخدامًا مكثفًا للغاية للسلطة التنفيذية.
كما تشير الصحيفة إلى أن نشاط ترامب على منصته للتواصل الاجتماعي Truth Social كان استثنائيًا، إذ نشر أكثر من 2262 منشورًا خلال فترة 132 يومًا في وقت مبكر من عام 2025، مع ليالٍ نشر فيها أكثر من 150 رسالة خلال ساعات قليلة، وتراوحت منشوراته بين تصريحات عن السياسات الداخلية وهجمات على وسائل الإعلام وخصومه السياسيين.
الرئاسة الإمبراطورية
يشير تحليل لصحيفة "نيويورك تايمز" إلى أن ترامب في عامه الأول بعد عودته إلى منصبه تبنى -دون خجل- مظاهر الفخامة الملكية، كما بسط نفوذه المطلق تقريبًا لتغيير الحكومة والمجتمع الأمريكيين وفقًا لرغباته.
يضيف التحليل: "في كل من المظاهر والسياسات، أسس ترامب نسخة جديدة أكثر جرأة من (الرئاسة الإمبراطورية)، تتجاوز بكثير حتى تلك المرتبطة بريتشارد نيكسون، الذي اشتهر هذا المصطلح بسببه قبل نصف قرن.. بل ولم يعد يكبح جماح نفسه، أو يُكبح جماحه، كما كان الحال في ولايته الأولى".
يتابع: "وضعَ الزخارف الذهبية في المكتب البيضاوي، وهدمَ الجناح الشرقي ليُستبدل بقاعة رقص ضخمة، ووضعَ اسمه وصورته على المباني الحكومية، وحتى على مركز جون كينيدي للفنون المسرحية، وخصَّصَ يوم ميلاده عطلة دخول مجانية في المتنزهات الوطنية".
وأشار التحليل إلى أن "كل ذلك يدل على تضخيم الذات وتراكم السلطة مع مقاومة ضئيلة من الكونجرس أو المحكمة العليا".
وبعد مرور ما يقارب 250 عامًا على استقلال البلاد، يُمكن القول إن هذه هي أقرب فترة وصلت إليها الولايات المتحدة إلى ما يبدو أشبه بالسلطة المركزية لملك، وفق التحليل، إذ يُقرر ترامب بنفسه إعادة تفسير تعديل دستوري، كما يقوِّض وكالات فيدرالية وإدارات أنشأها الكونجرس، ويُملي على المؤسسات الخاصة كيفية إدارة شؤونها ويُرسل قوات إلى الشوارع الأمريكية، ويشن حربًا غير مُصرّح بها ضد قوارب مدنية في منطقة الكاريبي، يستخدم علنًا أجهزة إنفاذ القانون لما يُسميه رئيس أركانه "تصفية حسابات" مع خصومه، ويمنح العفو لحلفائه المُفضّلين، ويُساوي بين النقد والتحريض الذي يُعاقب عليه بالإعدام.
مع ذلك، عندما قالت سوزي وايلز رئيسة موظفي البيت الأبيض إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب "يمتلك شخصية مدمن كحول"، كانت تتحدث عن شخصيته الجذابة واللافتة للنظر، وليس عن استهلاكه للمشروبات الروحية التي لا يقربها بحسب جميع التقارير.
لكن مع ذلك قد يكون هذا الوصف مناسبًا من بعض النواحي لرئيس يبدو أقل تحفظًا من أي وقت مضى، لدرجة أن الكثيرين في واشنطن وخارجها يهزون رؤوسهم استنكارًا، بل ويتساءلون عمّا إذا كان زعيم العالم الحر فقد صوابه.
أمّا الكلمة التي كثيرًا ما يهمس بها الجمهوريون ويصرخ بها الديمقراطيون ومعارضو ترامب هي "مختل عقليًا".
بدا ذلك السلوك جليًا عندما وصف ترامب صحفيًا بـ"الخنزير"، أو عندما هدد باستخفاف بإعدام ستة أعضاء في الكونجرس لمجرد ذكرهم قوانين الحرب بدقة، أو عندما وصف المهاجرين الصوماليين بـ"القمامة"، وحتى عندما أعلن أن التشكيك في مستوى طاقته البدنية في سن التاسعة والسبعين "عمل تحريضي، وربما خيانة عظمى".
كما أضاف ترامب سلسلة من اللوحات أسفل صور الرؤساء السابقين على جدار الرواق في البيت الأبيض، والتي تضمنت انتقادات لاذعة لبعض أسلافه، وفي الواقع خلَّد بعض منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي.
الأدنى شعبية.. والأكثر تأثيرًا
يتفق الجميع على أن ترامب يهيمن على المشهد السياسي الأمريكي بشكل لم يسبق له مثيل بين أسلافه على مر الأجيال، فهو يضع بمفرده جدول الأعمال ويفرض إرادته على النظام السياسي برمته، وفي الوقت نفسه، يُعد الرئيس الأقل شعبية منذ بدء استطلاعات الرأي.
في الواقع، لم يحظَ دونالد ترامب قط بتأييد أغلبية الأمريكيين، لا في أي من انتخابات الرئاسة الثلاث التي خاضها، ولا ليوم واحد خلال أي من فترتي رئاسته، وفقًا لاستطلاعات مؤسسة "جالوب ".
تشير استطلاعات "جالوب" إلى أن نسبة تأييد ترامب الحالية البالغة 36%، هي أقل من نسبة تأييد جميع الرؤساء المنتخبين في العصر الحديث في نهاية عامهم الأول، بل وأقل حتى مما كانت عليه في ولايته الأولى التي بلغت كانت 39%، وأقل بـ7% من ثاني أدنى نسبة تأييد لبايدن بنسبة 43%.
وإذا ما قورن بالرؤساء الذين شغلوا منصبهم لولايتين متتاليتين، فإن نسبة تأييد ترامب لا تزال أدنى من نسبة تأييد أي منهم في نهاية عامهم الخامس، باستثناء ريتشارد نيكسون، الذي انخفضت نسبة تأييده إلى 29% في خضم فضيحة "ووترجيت".
مع ها، أحدثت إعادة صياغة ترامب لمفهوم الرئاسة تغييرًا جذريًا في موازين القوى في واشنطن، والذي قد يستمر طويلًا بعد رحيله.
نقلت "نيويورك تايمز" عن ماثيو داليك، المؤرخ السياسي في جامعة جورج واشنطن: "ولايته الثانية لا تمثل في كثير من النواحي مجرد خروج عن الأعراف والتوقعات الرئاسية فحسب، بل هي أيضًا تتويج لـ75 عامًا سعى خلالها الرؤساء إلى مزيد من السلطة".
وأضاف: "كما أنها تتويج لأربع سنوات من التخطيط بين ولايتي ترامب الأولى والثانية.. في المرة السابقة، كان سياسيًا مبتدئًا يفتقر إلى فهم آلية عمل الحكومة، وأحاط نفسه بمستشارين حاولوا كبح جماح نزعاته المتطرفة.. أما هذه المرة، فوصل إلى منصبه بخطة لتحقيق ما لم ينجح فيه خلال ولايته الأولى، وفريق من الموالين له ذوي التوجهات المشابهة، عازمين على إعادة تشكيل البلاد".
كما أوضح جيسون ميلر، مستشار ترامب المخضرم أن الرئيس "كان يعرف تمامًا ما يريد فعله عند توليه منصبه هذه المرة"، وأكد أنه "الآن، وبعد أربع سنوات من الحكم، بات يعرف تمامًا كيف تسير الأمور.. يعرف جميع الأطراف الفاعلة على الصعيدين الدولي والمحلي.. كان يعلم الإستراتيجيات والتكتيكات التي نجحت في المرة الأولى، وتلك التي لم تنجح".