الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

فسيفساء روتلاند.. أرضية فيلا بريطانية تعيد كتابة حرب طروادة

  • مشاركة :
post-title
رسومات على إبريق فضي من القرن الأول الميلادي من بلاد الغال الرومانية

القاهرة الإخبارية - سامى الجزار

لم تكن فسيفساء روتلاند مجرد زخرفة رومانية فاخرة تزيّن أرضية فيلا قديمة، بل وثيقة صادمة تعيد كتابة واحدة من أشهر أساطير البشرية.

وبعد تحليل علمي جديد أجرته جامعة ليستر البريطانية كشف أن هذه التحفة الفنية لا تروي "الإلياذة" كما نعرفها، بل تحكي قصة أخرى لحرب طروادة.. قصة طُمست، ونُسيت، ثم عادت للحياة بعد ألفي عام.

رواية تخرج من تحت التراب

لطالما اعتقد الباحثون أن فسيفساء كيتون في مقاطعة روتلاند تُجسّد مشاهد مألوفة من ملحمة هوميروس الخالدة، لكن الدراسة الجديدة قلبت هذا التصور رأسًا على عقب.

فالصور لا تتطابق مع "الإلياذة"، ولا تسير وفق سردها الشعري المعروف، بل تعكس حبكة مختلفة تعود إلى مسرحية مفقودة للكاتب الإغريقي إسخيلوس، أحد آباء التراجيديا اليونانية.

هذه الرواية البديلة لحرب طروادة كانت معروفة في العالم القديم، لكنها تلاشت من الذاكرة الجماعية، قبل أن تُبعث مجددًا، ليس من مخطوطة، بل من فسيفساء رومانية في قلب بريطانيا.

لوحة من فسيفساء كيتون بريام ملك طروادة وهو يحمل ميزانا بأوان ذهبية ليساوي وزن ابنه هيكتور
أخيل وهيكتور بثلاث لقطات

تقدّم فسيفساء كيتون سردًا بصريًا مكثفًا لمواجهة أخيل، بطل الإغريق، مع هيكتور، أمير طروادة، عبر ثلاث لحظات مفصلية، وهي المعركة) حيث يلتقي البطلان وجهًا لوجه)، ثم الإذلال (أخيل يجرّ جثة هيكتور خلف عربته، وأخيرًا الوزن بالذهب (مشهد صادم تُوزن فيه جثة هيكتور مقابل الذهب أمام الملك بريام).

هذا المشهد الأخير تحديدًا لا وجود له في "الإلياذة"، لكنه حجر الزاوية في مسرحية إسخيلوس، ويؤكد أن مالك الفيلا الرومانية كان مطّلعًا على روايات نادرة للنص الطروادي، وربما تعمّد اختيارها.

من أثينا إلى روتلاند

اللافت أن تصميم الفسيفساء لم يكن وليد خيال محلي، بل نسخة متقنة من نماذج فنية انتقلت عبر قرون وحدود، وهو ما كشفه التحليل أن المشاهد نفسها ظهرت على آثار متعددة، وهي: مزهريات يونانية من أثينا تعود إلى ما قبل 800 عام، على عملات رومانية من مدينة إيليوم (طروادة)، وعلى أوانٍ فضية من بلاد الغال، وحتى على فخار وزخارف من تركيا القديمة

ومن هذه المشاهد، الشخصية الملوّحة، والدرع، والعربات، والجسد الممدد، بل وحتى الثعبان الملتف أسفل الخيول، وكلها عناصر من "كتالوج بصري" متوسطي واحد.

عملة رومانية من القرن الثاني الميلادي عُثر عليها في مدينة إيليوم بتركيا وتحمل اسم هيكتور
بريطانيا الرومانية لم تكن على الهامش

تقول الدكتورة جين ماسيليا، الباحثة الرئيسية في الدراسة: "الحرفيون الذين صنعوا فسيفساء كيتون لم يكونوا معزولين عن العالم القديم، بل كانوا جزءًا من شبكة ثقافية متصلة، تتناقل الأنماط الفنية عبر الأجيال".

بمعنى آخر، بريطانيا الرومانية لم تكن طرفًا بعيدًا في الإمبراطورية، بل كانت مندمجة ثقافيًا في قلب المشهد الكلاسيكي، تستوعب أساطيره، وتعيد إنتاجها بطريقتها.

جزء من فسيفساء كيتون هيكتور أمير طروادة في عربته
من إغلاق كورونا إلى سجل التراث الوطني

ظهرت فسيفساء كيتون إلى النور عام 2020، في ذروة الإغلاق العالمي بسبب جائحة كوفيد-19، حين عثر عليها المزارع جيم إيرفين مصادفة في أرض عائلته.

الاكتشاف تحوّل سريعًا إلى حدث وطني، تبعته حفريات واسعة بإشراف جامعة ليستر وهيئة التراث الإنجليزي.

وبسبب قيمتها التاريخية الاستثنائية، أُدرجت الفسيفساء ومجمع الفيلات المحيط بها ضمن قائمة المعالم الأثرية المحمية، مع استمرار الأبحاث ونشر النتائج تباعًا.

مزهرية يونانية من أثينا القديمة تحمل نفس التصميم قبل 800 عام من فسيفساء كيتون
حين تعيد قطعة فنية كتابة التاريخ

ليست فسيفساء روتلاند مجرد مشهد من الماضي، بل رسالة واضحة مفادها أن التاريخ ليس نصًا واحدًا، والأسطورة لا تُروى بصوت واحد، وما ظننّاه هامشًا قد يكون في الحقيقة قلب الحكاية، فمن تحت تراب بريطانيا، خرجت طروادة أخرى.. طروادة لم يكتبها هوميروس، لكنها كانت حاضرة في ذاكرة العالم القديم، حتى أعاد حجر صغير، مرصوف بعناية، سردها من جديد.