دقَّت بريطانيا ناقوس الخطر محذِّرة من أن شبح الحرب بات على عتبة القارة الأوروبية؛ في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات الأمنية التي تستهدف قواتها المسلحة، داعية حلفاءها في حلف شمال الأطلسي "الناتو" إلى الاستعداد الفوري لمواجهة واقع جديد لم تعد فيه الحرب خيارًا بل ضرورة حتمية.
حروب الضرورة
أطلق وزير الدفاع البريطاني آل كارنز، تحذيرًا صارخًا، خلال حفل إطلاق خدمة الاستخبارات العسكرية البريطانية الجديدة، مؤكدًا أن "ظل الحرب يطرق أبواب أوروبا"، وفقًا لما نشرته صحيفة بوليتيكو.
وشدد كارنز على أن أوروبا تواجه اليوم واقعًا مختلفًا تمامًا، فالحروب التي كانت تخوضها عن رغبة واختيار في الماضي تحوَّلت إلى صراعات مفروضة عليها لا مفر منها، وستكون التضحيات البشرية فيها فادحة، مستشهدًا بالحرب الروسية الأوكرانية كدليل واضح على هذا التحوُّل الكبير في طبيعة المخاطر الأمنية التي تحيط بأوروبا.
نشاط استخباراتي
كشف رئيس الاستخبارات الدفاعية البريطانية أدريان بيرد، خلال الحدث الذي أُقيم في قاعدة سلاح الجو الملكي بمدينة ويتون شرق إنجلترا، عن أرقام مثيرة للقلق تشير إلى ارتفاع النشاط الاستخباراتي المعادي ضد الأفراد العسكريين البريطانيين والمنشآت العسكرية بأكثر من 50% خلال العام الماضي وحده، حسبما ذكرت بوليتيكو.
وأشار بيرد إلى أن هذه الأنشطة العدائية تأتي بشكل رئيسي من ثلاث دول، هي: إيران والصين وروسيا، ما يعكس تنسيقًا متزايدًا بين هذه القوى في استهداف البنية الدفاعية البريطانية.
جاء إطلاق خدمة الاستخبارات العسكرية البريطانية الموحدة كاستجابة عملية لهذه التهديدات المتصاعدة، إذ تجمع الخدمة الجديدة للمرة الأولى وحدات استخباراتية من البحرية الملكية والجيش البريطاني وسلاح الجو الملكي تحت مظلة واحدة؛ بهدف تسريع تبادل المعلومات وتحسين التنسيق بينها، كما أوصت مراجعة الدفاع الاستراتيجي لهذا العام.
وستتمركز الخدمة في قاعدة ويتون بمقاطعة كامبريدجشير، التي تضم بالفعل "باثفايندر"، أكبر مركز استخباراتي لتحالف "العيون الخمس" الاستخباراتي الذي يجمع الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا.
وتتضمن الخدمة الجديدة إنشاء "وحدة الاستخبارات المضادة الدفاعية" المتخصصة في حماية القوات المسلحة ومعداتها وأنظمتها من التدخلات الأجنبية، حيث سيقوم الموظفون بمراقبة وتحليل مجموعة واسعة من البيانات، تشمل صور الأقمار الصناعية ومقاطع الفيديو المسجلة بالطائرات المُسيَّرة، إضافة إلى المعلومات التي يجمعها العملاء الميدانيون.
تهديدات لنمط الحياة اليومية
دافع كارنز بقوة عن ضرورة رفع مستوى الوعي الشعبي بخطورة الموقف، مشددًا على أهمية إدراك المواطن البريطاني أن "التهديدات الخارجية لها انعكاسات مباشرة على نمط حياته وتكاليف معيشته وأسعار الغذاء والوقود والإنفاق الحكومي بأكمله"، وفقًا لبوليتيكو.
وأضاف أن تجديد القدرات الاستخباراتية العسكرية سيساعد في ضمان أن يكون "الردع البريطاني مُحكَمًا تمامًا"؛ وذلك ردًا على تقرير حديث مثير للقلق أصدرته لجنة الدفاع في مجلس العموم البريطاني حول مستوى استعداد البلاد للحرب.
وتتماشى تحذيرات كارنز مع ما أطلقه الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، في خطاب ألقاه في برلين نفس اليوم، حيث قال: "أعادت روسيا الحرب إلى أوروبا، ويجب أن نكون مستعدين لحجم الحرب الذي عايشه أجدادنا وأجداد أجدادنا".
رغم هذه الجهود الضخمة، اعترف المسؤولون البريطانيون بوجود عقبة كبيرة، تتمثل في نقص الكوادر المؤهلة للعمل في الأدوار الاستخباراتية، إذ أقرَّت وزيرة شؤون المحاربين القدامى لويز ساندهر جونز بأن "التوظيف لم يسر في الاتجاه المرغوب خلال السنوات الماضية، وأن قلب هذا الوضع يمثل مهمة أساسية" للحكومة البريطانية في المرحلة المقبلة.