قال قائد سابق للبحرية البريطانية إن بلاده "لم تعد قادرة" على إدارة برنامج الغواصات النووية، وذلك بعد أن "دفعتها الإخفاقات الكارثية إلى حافة الهاوية".
وفي نقدٍ "غير عادي"، كما وصفته صحيفة "ذا تليجراف"، قال الأدميرال البحري فيليب ماتياس، المدير السابق للسياسة النووية بوزارة الدفاع البريطانية، إن "الخدمة الصامتة" في المملكة المتحدة تواجه وضعًا غير مسبوق، ومن غير المرجح إلى حد كبير أن تتعافى منه دون تدخل جذري.
كما أشار إلى أن التأخير في بناء قوارب الهجوم الجديدة "وصل إلى مستويات قياسية"، ما أدى إلى زيادة مدة الدوريات للطواقم من 70 يومًا خلال الحرب الباردة إلى أكثر من 200 يوم الآن.
وحذَّر قائد الغواصات المتقاعد من أن هذا أدى إلى "انخفاض صادم في توفر الغواصات لمواجهة التهديد الروسي في شمال الأطلسي".
ودعا الأدميرال، الذي قاد مراجعة قيمة برنامج Trident مقابل المال في عام 2010، بريطانيا إلى الانسحاب من صفقة Aukus الدفاعية التي تبلغ قيمتها عدة مليارات من الدولارات مع الولايات المتحدة وأستراليا لبناء 12 غواصة نووية جديدة.
وأضاف أن "المملكة المتحدة لم تعد قادرة على إدارة برنامج الغواصات النووية".
فشل ذريع
في معرض انتقاداته، نقلت "ذا تليجراف" عن ماتياس أن البحرية البريطانية تعاني من تأخر تسليم الغواصات من فئة Dreadnought، كما أصبح تسليم الغواصات من فئة Astute متأخرًا، وهناك تراكم هائل في صيانة فئة Astute وإعادة تجهيزها، وهو ما يزداد سوءًا.
كما لفت إلى أن غواصة SSN-Aukus "لن تقدم ما تحتاجه المملكة المتحدة أو أستراليا من حيث القدرة أو الإطار الزمني".
وأشار قائد الغواصات السابق إلى أن "الأداء في جميع جوانب البرنامج يستمر في التدهور على جميع الأصعدة. وهذا وضع غير مسبوق في عصر الغواصات النووية"، مؤكدًا أنه "فشل ذريع في تخطيط الخلافة والقيادة".
ولفت التقرير إلى أن أسطول غواصات Astute يواجه مشكلات كبيرة، إذ لا يزال العديد منها عالقًا في الموانئ لسنوات، وأنه من بين الغواصات السبع المخطط لها، ست منها في الخدمة حاليًا.
في الوقت الحالي، لا تزال الغواصة HMS Ambush غير نشطة حاليًا، بعد أن قضت 1222 يومًا -أكثر من ثلاث سنوات وأربعة أشهر- في الميناء، وفقًا لمحللي الدفاع البريطانيين.
كما تخضع الغواصتان الشقيقتان Artful وAudacious لبرامج صيانة بطيئة، بعد أن أمضتا أكثر من 950 يومًا خارج الخدمة. كما أن Astute وAnson راسيتان في الميناء.
ويشير التقرير إلى أن الغواصة HMS Agamemnon، وهي السفينة السادسة وما قبل الأخيرة، دخلت الخدمة في سبتمبر خلال حفل حضره الملك تشارلز الثالث، حيث أشاد بها أعضاء الحكومة باعتبارها "إنجازًا تصنيعيًا رائعًا حقًا". لكن ماتياس قال: "الحقيقة غير المريحة هي أن بناءها استغرق أكثر من 13 عامًا "وهي أطول فترة بناء على الإطلاق لغواصة تم بناؤها للبحرية البريطانية".
قلق نووي
في انتقاداته، قال الأدميرال البحري ماتياس إن الجيل القادم من الغواصات النووية البريطانية من فئة Dreadnought، ينبغي أن تكون "الفئة الأخيرة من الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية التي تبنيها المملكة المتحدة".
وقال إن برنامج Aukus "يجب إلغاؤه الآن"، مع إنفاق الأموال بدلًا من ذلك على "طرق فعالة من حيث التكلفة" لتقديم نفس القدرة ولكن باستخدام تكنولوجيا أرخص، مثل المسيّرات أو الغواصات غير المأهولة الأصغر حجمًا.
كما أشار إلى التخفيضات التاريخية في الإنفاق الدفاعي البريطاني، والتغييرات المتكررة في كيفية تنفيذ برامج الغواصات النووية، و"الفشل الهائل في إدارة الموظفين الرئيسيين" كعوامل مساهمة في التراجع.
أيضًا، انتقد ماتياس دور عمالقة الصناعة في تأخير البرامج، وأضاف أنه لم يتم تفكيك أي من الغواصات النووية البريطانية الـ 23 التي تم إيقاف تشغيلها منذ أن خرجت أول غواصة، وهي HMS Dreadnought، من الخدمة في عام 1980، لافتًا إلى أن "هذا أمر مُخزٍ تمامًا ويثير تساؤلات حول ما إذا كانت بريطانيا مسؤولة بما يكفي لامتلاك غواصات نووية".
في المقابل، نقلت "ذا تليجراف" عن مصدر دفاعي، إصراره على أن "الأشخاص المناسبين كانوا في المكان المناسب" لمواصلة الإشراف على البرنامج النووي البريطاني.
وقالت وزارة الدفاع البريطانية إنها ملتزمة بتسليم الجيل القادم من الغواصات النووية، وإن برنامج Dreadnought لا يزال على المسار الصحيح، مضيفة أنها ملتزمة بالتخلص الآمن من الغواصات القديمة، وأنها "مشغل نووي مسؤول"، وتلبي أعلى معايير السلامة والأمن وحماية البيئة للمشاريع الحالية Dreadnought وRosyth.
وأضاف متحدث باسم وزارة الدفاع: "نحن ثابتون في التزامنا بتجديد وصيانة الردع النووي، وهو ما يؤكده أكبر استثمار مستدام في الإنفاق الدفاعي منذ نهاية الحرب الباردة"، لافتًا إلى أن "مراجعة الدفاع الإستراتيجية أوضحت الحاجة إلى استثمار مستدام في قطاع الدفاع النووي".
ضغوط روسية
بينما تُعاني البحرية البريطانية، تواصل روسيا الضغط بعد أن عززت نشاطها في المياه البريطانية بنسبة تزيد عن 30%، بحسب تحذير وزير الدفاع البريطاني جون هيلي.
وتلفت "ذا تليجراف" إلى أن أسطول الغواصات النووية الذي تمتلكه المملكة المتحدة له أهمية بالغة في الدفاع عن البلاد وردع روسيا والدول الأخرى عن استخدام أسلحة الدمار الشامل.
يضم أسطول الغواصات الشبحية الأربع من طراز Vanguard الصواريخ النووية البريطانية، حيث تظل غواصة واحدة دائمًا في مهمة دورية في البحار في أي وقت. ويمكن لكل غواصة أن تحمل ما يصل إلى 16 صاروخًا باليستيًا من طراز Trident 2 D5، يزن كل منها 60 طنًا، ومزوَّدًا بما يصل إلى ثمانية رؤوس حربية فردية.
وتتفوق القوة التدميرية المجمعة لهذه الصواريخ على القنبلة التي ألقيت على هيروشيما في الحرب العالمية الثانية، والتي كانت كفيلة بإبادة ملايين البشر.
مع ذلك، واجهت هذه الغواصات مشاكل خلال اختبارات الإطلاق في الماضي. ففي عام 2016، انحرف أحد صواريخ Trident -بطول 44 قدمًا- التي أُطلقت من سفينة HMS Vengeance ، عن مساره ودُمِّر ذاتيًا.
أيضًا، في ميناء "كانافيرال" بولاية فلوريدا الأمريكية، في 30 يناير من العام الماضي، فشل صاروخ أُطلق من السفينة الحربية HMS Vanguard في إطلاق نفسه وسقط في البحر، وفق التقرير.