منذ عقود والخيال العلمي يرسم لنا مستعمرات بشرية على المريخ، وطيّاري فضاء يحاولون ضبط ساعاتهم وفق زمن الكوكب الأحمر. لكن السؤال البسيط ظل بلا إجابة دقيقة: ما هو الوقت على المريخ؟
اليوم، كشف فريق من الفيزيائيين في المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا (NIST) عن أول حساب علمي دقيق لوتيرة مرور الزمن على المريخ، بعدما تتبعوا أدق تأثيرات الجاذبية والمدار وحركة الكواكب المحيطة، حسب ما جاء على موقع "سايتك ديلي".
فعلى الأرض، نضبط ساعاتنا بدقة بفضل شبكة من الساعات الذرية وأقمار الـGPS، لكن هذه الرفاهية لا يمكن نقلها كما هي إلى فضاء تسوده اختلافات هائلة في الجاذبية والمسافات. وقد أثبتت نظرية أينشتاين للنسبية أن الزمن ليس ثابتًا، بل يتباطأ حيث تكون الجاذبية أقوى، ويتسارع حين تضعف، وهو ما يجعل معرفة الوقت خارج الأرض تحديًا حقيقيًا.
تأثير المدار البيضاوي
ووفق حسابات معهد NIST، فإن الساعة على المريخ ستدق أسرع من نظيرتها على الأرض بمقدار 477 ميكروثانية يوميًا؛ أي أقل من جزء من الألف من الثانية، لكنه فرق كبير عند الحديث عن الاتصالات والملاحة بين كوكبين. والأهم أن هذا الفرق يتغيّر، إذ يؤدي المدار البيضاوي للمريخ والتأثير الجذبي للشمس والكواكب المجاورة إلى تعديل هذا الانحراف اليومي بما يصل إلى 226 ميكروثانية عبر السنة المريخية.
وللوصول إلى هذا الحساب، اختار الباحثون نقطة مرجعية على سطح المريخ تشبه "مستوى سطح البحر" على الأرض. ثم قاموا بتقدير قوة الجاذبية التي لا تتجاوز خمس الجاذبية الأرضية، قبل أن يضيفوا تأثيرات الشمس والأرض والقمر على مدار المريخ. وهنا برزت الصعوبة الكبرى، فبدلًا من التعامل مع "مسألة الأجسام الثلاثة" المعقدة أصلًا، وجد العلماء أنفسهم أمام معادلات تشمل أربعة أجسام ضخمة تؤثر في بعضها البعض.
يقول الفيزيائي بيجوناث باتلا منNIST: "إن فهم كيفية مرور الوقت على المريخ ليس رفاهية علمية، بل هو خطوة أساسية لأي نشاط بشري طويل الأمد خارج الأرض. لقد أصبحنا أقرب من أي وقت مضى لرؤية الخيال العلمي يتحول إلى واقع".
شبكات الجيل الخامس
لماذا نهتم بهذا القدر بجزء من المليون من الثانية؟.. وعلى الرغم من ضآلة الرقم، فإن شبكات الاتصالات الحديثة مثل شبكات الجيل الخامس تعتمد على دقة قد تصل إلى عُشر ميكروثانية. ومع توسع مشاريع ناسا لاستكشاف المريخ، تصبح الحاجة لمزامنة الزمن بين الأرض والمريخ أمرًا حاسمًا لتوجيه المركبات والتواصل بين المستعمرات المستقبلية.
إن هذا البحث يمهّد الطريق لما يسميه العلماء "إنترنت النظام الشمسي"؛ وهي شبكة اتصالات يمكنها العمل بين الكواكب، دون أن تضيع الإشارات في فوضى الجاذبية والفوارق الزمنية. ومع التقدم المستمر في الساعات الذرية، يبدو أننا نقترب خطوة إضافية من اليوم الذي تضبط فيه ساعة يدوية صغيرة في مستعمرة بشرية على المريخ.