الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

من فخر ثقافي إلى خطر قاتل.. سقالات البامبو تحت التحقيق بعد أسوأ كارثة

  • مشاركة :
post-title
سقالات البامبو

القاهرة الإخبارية - سامح جريس

أودى حريق مدمر في "مبنى وانج فوك كورت" السكني بهونج كونج بحياة 128 شخصًا على الأقل، ليسجل أسوأ كارثة سكنية في تاريخ المدينة الحديث، إلا أن المأساة فتحت نقاشًا ساخنًا حول تقليد بنائي عمره قرون، وهو استخدام سقالات البامبو الخشبية التي تميز أفق المدينة منذ عقود.

تقليد فريد على المحك

تبرز هونج كونج كواحدة من المدن الكبرى النادرة عالميًا التي تواصل الاعتماد على سقالات البامبو في المشروعات الضخمة، إذ تشكل شبكاتها الصفراء المعقدة جزءًا من هوية الإقليم الصيني البصرية.

وتشير صحيفة "فايننشال تايمز" إلى أن المدافعين عن هذه المادة يؤكدون متانتها ورخص ثمنها وقدرتها على التكيف مع المساحات الضيقة، معتبرين أن ناطحات السحاب الشاهقة والشوارع المزدحمة ما كانت لتُشيد بهذه السرعة لولا مرونة البامبو الفائقة.

تقول المعمارية رافايلا إندريتزي، الأستاذة بالجامعة الصينية في هونج كونج والمتخصصة في بحوث إطارات البامبو، إن الطبيعة شديدة التكيف لهذه المادة التي يمكن تشكيلها بأشكال معقدة في أضيق الأماكن ساهمت في بناء الأفق الفريد للمدينة، مضيفة: "لست متأكدة من أن هونج كونج كان يمكن بناؤها بطريقتها الحالية من دون البامبو".

قرار حكومي حاسم

أعلن جون لي، حاكم هونج كونج، خلال زيارته موقع الحريق أمس الخميس، أن الحكومة ستجري تفتيشًا فوريًا على المباني التي تخضع لترميمات خارجية كبيرة ونُصبت عليها سقالات وشباك.

وأوضح أن "المكتب الإنمائي تواصل بالفعل مع قادة الصناعة لمناقشة الترويج لخارطة طريق لاستبدال سقالات البامبو بالمعدنية".

هذا التوجه الحكومي ليس وليد اللحظة، إذ كانت المخاوف من البامبو قائمة منذ سنوات، ففي مارس الماضي طالبت الحكومة باستخدام السقالات المعدنية في نصف المشروعات العامة الجديدة على الأقل لأسباب تتعلق بسلامة العمال، لكن التطبيق كان بطيئًا.

وكشفت أرقام رسمية أن 23 حالة وفاة مرتبطة بسقالات البامبو سُجلت بين يناير 2018 ومطلع هذا العام.

كما شهدت المدينة في أكتوبر الماضي حريقًا في مبنى مغطى بالبامبو بمنطقة سنترال، ما زاد المخاوف من قابليته للاشتعال، رغم أن الحكومة أكدت في يوليو عدم نيتها حظر المادة تمامًا.

جدل حول السبب الحقيقي للكارثة

يشدد توني زا، المدير التنفيذي في شركة "هيب هينج" للإنشاءات والرئيس الفخري لمعهد هونج كونج لمديري الإنشاءات، على أن "المعدن أصعب بكثير في الاشتعال"، مع إقراره بأن البامبو يتمتع ببعض الخصائص الطبيعية المقاومة للحريق وأنه أرخص وأسرع في البناء من الإطارات المعدنية، إلا أنه يضيف: "الآن نتحدث عن حوادث قاتلة لأرواح بشرية.. أعتقد أن هذا أهم بكثير من ميزة التكلفة والوقت".

لكن الصحيفة البريطانية تشير إلى أن عوامل أخرى ربما ساهمت في انتشار الحريق، إذ أوضحت السلطات أن لصق ألواح الفوم البوليسترينية (الستايروفوم) على النوافذ أثناء أعمال ترميم "وانج فوك كورت" فاقم من سرعة انتشار اللهب، معتقدة أن المواد لم تكن مطابقة لمعايير السلامة.

وتصف إندريتزي استخدام الستايروفوم على النوافذ بأنه "مجنون وغير قانوني"، موضحة أنه لم يمنح "أي فرصة لإبطاء النيران أو إتاحة الوقت للناس للخروج".

اعتقلت السلطات ثلاثة رجال مرتبطين بأعمال الترميم بتهمة القتل غير العمد، فيما لم يتمكن أحد من الوصول للمقاول لطلب تعليق، كما أكد مسؤولو الإطفاء اليوم الجمعة تعطل أجهزة الإنذار داخل المجمع، وأنهم سيتخذون إجراءات قانونية ضد المقاول المسؤول، بعدما أفادت وسائل إعلام محلية بأن السكان لم يسمعوا صوت التنبيهات.

وأعلن كريس تانج، رئيس الأمن بالمدينة، أن التحقيق التكميلي سيستغرق من ثلاثة إلى أربعة أسابيع.

دفاع ميداني عن التراث البنائي

يشكك بان تانج، أحد سكان "وانج فوك كورت" في الأربعينيات من عمره ويعمل مشرفًا في البناء، في أن يكون البامبو الذي وصفه بأنه "رخيص وسريع وجزء من التراث الثقافي للمدينة" هو الجاني الحقيقي، قائلًا وهو ينتظر مع زوجته خارج ملجأ قرب موقع الكارثة: "ينبغي أن يكون السبب استخدامهم لمواد كثيرة غير مطابقة للمواصفات.. يجب أن يتحمل شخص ما المسؤولية".

في سياق مشابه، كشف معماري مقره هونج كونج فضّل عدم الكشف عن هويته، أن فريقه اختبر فورًا بعد الحريق جميع الشباك والبامبو المستخدم في مشروعهم الإنشائي الحالي بمنطقة كاي تاك، وأن المواد ظلت سليمة تمامًا بعد إشعال النار فيها لفترة طويلة.

وقال: "هونج كونج لها تاريخ وثقافة فريدة في استخدام سقالات البامبو ولم نواجه أي مشكلة في مواقعنا أبدًا.. إنها مادة متينة وآمنة ومستدامة، والجانب السلبي الوحيد ربما هو حاجتها لعمال ماهرين قادرين على تركيبها، فهي أكثر تعقيدًا من الهياكل البديلة".

نهاية حزينة لحرفة عريقة؟

تختم إندريتزي حديثها بملاحظة مؤثرة، معتبرة أن "أصغر مأساة في هذه القصة هي أن البامبو سيُعتبر السبب"، كما أن بقايا البامبو المحترقة المتدلية من مبنى "وانج فوك كورت" هذا الأسبوع قد تكون شاهدًا على نهاية حرفة عمرها قرون في واحدة من آخر المدن الكبرى التي احتفظت بهذا التقليد الفريد.