في خطوة تعكس سباقًا متسارعًا لتأمين البنى التحتية الحساسة في القطب الشمالي، شرعت دول في حلف شمال الأطلسي "الناتو" في بناء محطة أرضية جديدة تعتمد على اتصالات الليزر فائقة الدقة في غرب جرينلاند، بهدف حماية البيانات المنقولة من الأقمار الصناعية من التشويش والاختراق، وسط تصاعد التهديدات الروسية والصينية في المنطقة.
وبحسب مجلة "نيوزويك" الأمريكية، فإن المحطة الجديدة، التي تُقام في كانجيرلوسواك داخل موقع عسكري أمريكي سابق، ستستخدم تكنولوجيا طورتها شركة "Astrolight" الليتوانية بدعم من وكالة الفضاء الأوروبية. وتؤكد الشركة أن الاتصالات البصرية عبر الليزر يمكن أن توفر قدرة نقل بيانات تفوق التقنيات التقليدية بعشرة آلاف مرة، إلى جانب مقاومتها العالية للهجمات الإلكترونية، بما في ذلك التشويش على الاتصالات وقطع الكابلات البحرية.
سباق السيطرة
وتأتي هذه الخطوة في وقت تصعد فيه روسيا ما يُعرف بـ "الحرب الهجينة" ضد دول الناتو في القطب الشمالي والبلطيق، من خلال التشويش على الأنظمة الإلكترونية وقطع الكابلات البحرية التي تربط المحطات الأرضية بالعالم. أما الصين، التي تصف نفسها بـ "دولة قريبة من القطب الشمالي"، فتوسع حضورها هناك عبر نشاطات "مزدوجة الاستخدام" ذات طابع علمي وعسكري.
وبينما تعتبر موسكو القطب الشمالي جزءًا أساسيًا من منظومة دفاعها، ترى واشنطن وحلفاؤها — كندا والنرويج والدنمارك — أن المنطقة باتت إحدى الجبهات الأكثر حساسية جيوسياسيًا. وتتمتع الدنمارك بموطئ قدم في القطب عبر ملكيتها لجرينلاند، رغم تمتع الأخيرة بحكم ذاتي واسع، فيما تظل السياسة الخارجية والدفاعية تحت إدارة كوبنهاجن.
"لا ترى ولا تُخرق"
ويُوضح لوريناس ماتشوليس، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة "Astrolight"، أن التقنية الجديدة تعتمد على شعاع ليزري بزاوية عرض تبلغ ألف جزء من الدرجة الواحدة، ما يجعل رصده أو استهدافه شبه مستحيل: "الشعاع ضيق لدرجة أنك لا تستطيع رؤيته من الجانب. لا يكتشف إلا عند تقاطعه المباشر مع القمر الاصطناعي، ومع سرعات تصل إلى 8 كيلومترات في الثانية، يصبح اعتراضه عمليًا مستحيلًا".
ويضيف ماتشوليس أن استخدام الليزر يجعل المحطة أقل عرضة للتشويش الذي يمكن أن تنفذه دول مثل روسيا أو الصين، مشيرًا إلى أن أنظمة الليزر لا تحتاج إلى ترخيص دولي كما هو الحال مع موجات الراديو، وهو عامل حيوي في حال سعت بعض الدول إلى الضغط عبر تعطيل تراخيص الترددات.
رغم ذلك، شدد على أن التكنولوجيا "غير عسكرية"، لافتًا إلى أن شدة الليزر منخفضة ولا يمكن استخدامها كسلاح، بحسب "نيوزويك".
الطقس.. عامل حاسم
اختيرت كانجيرلوسواك تحديدًا لصفاء سمائها، وهو عنصر أساسي في الاتصالات الليزرية التي تحتاج إلى ظروف جوية مستقرة. وتخطط الشركة لإنشاء ثلاث محطات على الأقل لضمان استمرار الخدمة في حال حجب السحب شعاع الليزر في أي موقع.
ويأتي الاعتماد على الليزر أيضًا كبديل ضروري عقب حادثة قطع الكابل البحري في أرخبيل سفالبارد بالنرويج عام 2022، وهي محطة أساسية لتحميل بيانات الأقمار القطبية. ورغم عدم تقديم النرويج تفسيرات كاملة، خلصت دراسة حديثة إلى أن الكابل جرى قطعه على الأرجح بواسطة سفينة صيد روسية، وهو ما نفته موسكو.
وتشير أجهزة أمنية غربية إلى حوادث متعددة لقطع الكابلات البحرية في البلطيق والقطب الشمالي خلال السنوات الأخيرة، بعضها يُشتبه في تنفيذها عبر سفن تجارية روسية أو سفن صينية، رغم غياب الاتهام الرسمي المباشر.