اختتم مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ COP30 في مدينة بيليم البرازيلية أعماله يوم الخميس الماضي، بعد تأخير تجاوز 24 ساعة، وسط عاصفة استوائية ومفاوضات ماراثونية امتدت حتى الساعات الأولى من الصباح.
ورغم التوصل لعشرات الاتفاقيات في اللحظات الأخيرة، كشفت صحيفة "ذا جارديان" البريطانية أن المؤتمر كاد ينهار تمامًا، وأن "اتفاق باريس كان على جهاز الإنعاش" وفق مراقبين متمرسين، كما أن النتيجة النهائية جاءت قاصرة عن الحد من الاحترار العالمي إلى 1.5 درجة مئوية، مع نقص كبير في التمويل المطلوب للدول الأكثر تضررًا، بينما خلا الاتفاق الرئيسي من أي ذكر لمصطلح "الوقود الأحفوري" رغم الاتفاق عليه في COP28 بدبي.
فراغ قيادي خطير
كشفت الصحيفة البريطانية أن غياب التنسيق بين أكبر مصدر تاريخي للانبعاثات (الولايات المتحدة) وأكبر مصدر حالي (الصين) كان السبب الرئيسي وراء كثير من المشكلات التي واجهت المفاوضات، فبعد انسحاب إدارة دونالد ترامب من القيادة المناخية ومهاجمته لعلوم المناخ والأمم المتحدة، انعكس هذا الموقف الأمريكي على مسار المفاوضات، إذ واجه المؤتمر صعوبات في إدراج أي إشارة واضحة للوقود الأحفوري في الاتفاق النهائي رغم التوافق السابق عليه في مؤتمر دبي.
في المقابل، وبحسب "ذا جارديان"، حضرت الصين لدعم شريكتها في مجموعة بريكس البرازيل، إلا أن مستشاريها أوضحوا أن بكين لا تريد ملء الفراغ الأمريكي في التمويل ولا تسعى للقيادة المنفردة خارج نطاق صناعة وبيع منتجات الطاقة المتجددة.
انقسامات داخلية تعكس صراعًا عالميًا
كشف المؤتمر عن انقسام عميق بين من يدعمون التوسع في استخراج النفط والمعادن والزراعة، ومن يطالبون بحماية البيئة والغابات، وهو صراع يشهده العالم كله، وظهر هذا الانقسام داخل الحكومة البرازيلية المضيفة نفسها، إذ دفعت وزيرة البيئة مارينا سيلفا بقوة نحو خطة واضحة للتخلي التدريجي عن الوقود الأحفوري ووقف تدمير الغابات، بينما أظهرت وزارة الخارجية البرازيلية موقفًا أكثر تحفظًا، واحتاج الأمر لتدخل الرئيس لولا دا سيلفا لتوحيد الموقف البرازيلي، بحسب مراقبين دوليين.
والأكثر إثارة للسخرية أن غابات الأمازون المطيرة، رغم استضافة المؤتمر في قلبها لأول مرة، لم تحظ إلا بذكر عابر وغامض في النص الرئيسي للمفاوضات، ما يعكس انتصار مصالح الاستخراج على الحفاظ على أكبر رئة خضراء للكوكب.
بخل أوروبا يعرقل التمويل
واجه الاتحاد الأوروبي، الذي يقدم نفسه كرائد في العمل المناخي، انتقادات لاذعة في COP30 بسبب تخلفه عن وعود تمويل المناخ للدول النامية، وأرجعت "ذا جارديان" ذلك جزئيًا لصعود اليمين المتطرف في دول عديدة، ما أجبر الاتحاد على تأخير خطته المناخية المحدثة واتخاذ قرار في منتصف المؤتمر فقط بجعل خارطة طريق التحول عن الوقود الأحفوري أحد "خطوطه الحمراء" التفاوضية.
هذا التأخر في التنسيق، الذي وصفته الصحيفة البريطانية بأنه "غير كفء في أحسن الأحوال"، أثار شكوك مشاركين من الجنوب العالمي في أن هذا التحول المفاجئ مجرد حيلة أو ورقة مساومة لتأخير العمل على تمويل التكيف مع تغير المناخ.
الحروب تسرق الأموال
ألقت الصراعات في غزة وأوكرانيا والسودان بظلالها الثقيلة على المؤتمر، إذ حولت الحكومات الأوروبية أولوياتها ومواردها نحو التسلح ردًا على التهديد الروسي المتصاعد، وفق سياسيين أوروبيين، ما أدى لخفض مساعدات التنمية الخارجية وجعل تخصيص أموال لتمويل المناخ تحديًا أكبر.
والأخطر، بحسب الصحيفة البريطانية، أن الجمهور في دول كثيرة لم يعد قادرًا على متابعة ما يحدث في مفاوضات المناخ، إذ لم ترسل أي من الشبكات الإخبارية الأمريكية الكبرى الأربع فريقًا إلى بيليم.
وحتى المراسلون البريطانيون والأوروبيون الحاضرون أكدوا صعوبة الحصول على مساحة في البرامج الإخبارية لقصصهم، في تباين صارخ مع الطاقة الإيجابية الهائلة في شوارع وأنهار بيليم.