الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

من الأغلبية الساحقة إلى "النهاية السياسية".. ستارمر في مرمى النيران الصديقة

  • مشاركة :
post-title
كير ستارمر رئيس الوزراء البريطاني

القاهرة الإخبارية - سامح جريس

تتصاعد التحركات داخل حزب العمال البريطاني للإطاحة برئيس الوزراء كير ستارمر، بعد أشهر قليلة فقط من فوزه بأكبر أغلبية برلمانية للحزب منذ 27 عامًا، إذ تكشفت مؤامرات متزامنة تشنُّها فصائل متنافسة من مختلف أطياف الحزب، في ظل انهيار غير مسبوق لشعبية الحكومة في استطلاعات الرأي، بحسب صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية عن 

وتشير الصحيفة البريطانية إلى أن المحادثات السرية بدأت منذ شهور في أروقة البرلمان والمطاعم المحيطة به، حيث يتساءل نواب العمال عن مستقبل ستارمر السياسي.

وقال أحد النواب لـ"فايننشال تايمز": "قررنا منذ زمن طويل أنه رئيس وزراء ميت سياسيًا، وبالطبع ناقشنا ما إذا كان بإمكانه البقاء وكيف يمكننا المساهمة في رحيله"، فيما أكد النائب المخضرم باري جاردينر أن المؤامرات ضد رئيس الوزراء باتت "معرفة عامة" في أوساط وستمنستر، بحسب الصحيفة.

تتمحور النقاشات الدائرة حول كيفية وتوقيت ومدى إمكانية إزاحة رئيس وزراء حقق انتصارًا ساحقًا قبل أشهر فقط، إلا أن إحاطة إعلامية فاشلة من مساعدي داونينج ستريت كشفت هذه التوترات العميقة للعلن، وفق ما ذكرته "فايننشال تايمز".

خلفاء محتملون

تشمل الأسماء المطروحة كخلفاء محتملين أنجيلا راينر نائبة رئيس الوزراء السابقة، ووزير الطاقة إد ميليباند الزعيم السابق للحزب، ووزير الصحة ويس ستريتينج، ووزيرة الداخلية شابانا محمود، والنائبة لوسي باول التي انتُخبت نائبة لزعيم الحزب مطلع الشهر الجاري، إضافة إلى عمدة مانشستر الكبرى آندي بيرنهام.

وأشارت الصحيفة البريطانية إلى أن خمسة فصائل مختلفة على الأقل تخطط لما قد يحدث بعد العاصفة السياسية المتوقعة الصيف المقبل.

تضم هذه الفصائل، كل من أنصار توني بلير الذين يدعمون ستريتينج، ويرفضون توجهات ستارمر اليسارية وخاصة قانون حقوق العمال الجديد.

وعلى النقيض، تقف "مجموعة الحملة الاشتراكية" اليسارية المتشددة التي تتهم ستارمر بخيانة مبادئ الحزب والانجرار نحو اليمين، لكن أعدادها لا تكفي لتنفيذ انقلاب ناجح يتطلب دعم 81 نائبًا كحد أدنى.

كما يوجد فصيل "العمال القدامى" من النواب المحافظين اجتماعيًا المقربين من النقابات الصناعية والذين يفضلون على الأرجح "محمود" كزعيمة قادمة.

أما أكبر مجموعة وأفضلها حظًا في إطاحة الزعيم فهي "اليسار المعتدل" التي تضم شخصيات بارزة مثل باول وميليباند وبيرنهام وراينر، إذ ينتشر الاستياء بين أعضائها بعد تخفيض رتب العديد منهم في التعديل الوزاري بسبتمبر الماضي، وفق "فايننشال تايمز".

كما توجد حالة من الغضب الحاد بين نواب أسكتلندا الذين يخشون هزيمة ساحقة في انتخابات مايو ببرلمان هوليرود في إدنبرة.

وزير الصحة ويس ستريتينج ووزيرة الداخلية شابانا محمود
انهيار كارثي

تشهد شعبية الحزب وزعيمه تراجعًا حادًا منذ أبريل الماضي بين البريطانيين، إذ سجلت التقييمات الشخصية لستارمر ووزيرة ماليته راشيل ريفز انخفاضًا كبيرًا في استطلاعات الرأي.

وأوضحت "فايننشال تايمز" أن حزب "ريفورم يو كي" اليميني المتطرف، الذي كان يتنافس بالتساوي مع العمال في أبريل، بات يتفوق عليه الآن بفارق 13 نقطة.

ويخشى النواب من تفاقم السخط الشعبي ضد الحكومة نهاية الشهر الجاري حين تعلن ريفز عن زيادات ضريبية جديدة تُقدر بمليارات الجنيهات الإسترلينية.

خط الدفاع الأخير

يعتقد العديد من السياسيين عبر الطيف العمالي أن أي محاولة لإزاحة ستارمر قبل الانتخابات المحلية والوطنية المقررة في إنجلترا وويلز وأسكتلندا في مايو المقبل ستكون حمقاء، إذ من المتوقع أن يعاقب الناخبون الحزب بشدة.

وقال مصدر مقرب من تيار توني بلير لـ"فايننشال تايمز": "لن يتحرك أحد قبل انتخابات مايو، كنا نراهن منذ البداية على نجاح ستارمر، لكن إذا فشل المشروع فعلينا أولًا تجاوز كارثتي الميزانية والانتخابات قبل اتخاذ أي قرار حاسم بشأن مستقبله".

يُتوقع أن يخسر العمال السيطرة على ويلز للمرة الأولى منذ قرن، وأن يتراجع في أسكتلندا على أيدي القوميين و"ريفورم يو كي"، وأن يفقد مقاعد كثيرة في لندن لصالح أحزاب يسارية صغيرة.

إشعال الفتيل

كانت الإحاطة الإعلامية النشطة يوم الثلاثاء من مساعدي داونينج ستريت لحفنة من الصحفيين البارزين محاولة لإخماد تلك النقاشات بتوضيح أن ستارمر لن يتزحزح إذا حدثت محاولة انقلاب، إلا أن هذه الإحاطات أتت بنتائج عكسية لأنها كانت اعترافًا صريحًا بوجود تحديات قيادية محتملة، ما أصاب بعض النواب الموالين بالإحباط والصدمة ليلة الثلاثاء.

علق أحد النواب: "تصرف أرعن من مكتب رئيس الوزراء، جعل الجميع يبدون في موقف سخيف"، بينما وصف آخر الموقف قائلًا: "أشعلوا فتيل الأزمة دون قصد، وكأنهم يطلقون الرصاص وسط الانهيارات الثلجية"، وفق ما نقلته "فايننشال تايمز".

واتهم العديد من النواب مكتب رئيس الوزراء بـ"جنون الارتياب"، غير أن بعض مستشاري ستارمر يرون أن الأزمة حققت مكسبًا واحدًا على الأقل، إذ دفعت ستريتينج، أحد أبرز المرشحين المحتملين لخلافة ستارمر، إلى إعلان ولائه الكامل للزعيم.

ونفى وزير الصحة بحزم أي ضلوع في مؤامرات بعدما زعمت إحدى الصحف جمع 50 توقيعًا لتأييد ترشحه.

وأكد نائب من تيار بلير، لـ"فايننشال تايمز": "لو كانت هناك حملة فعلية لدعم ويس، لكنت أول من يُطلب منه التوقيع".

عقبات تاريخية

أشارت الصحيفة البريطانية إلى أن ستارمر قد يستفيد حاليًا من حالة الانقسام بين النواب حول من يخلفه، وحذَّر قيادي في الحزب من ظاهرة نفسية خطيرة قد تعجّل الأمور، قائلًا لـ"فاينانشال تايمز": "حين تبدأ التحركات، يسيطر على الجميع هاجس ضياع الفرصة التاريخية، فيندفع كل طامح معتقدًا أن هذه لحظته الحاسمة التي لن تتكرر، وهكذا تكتسب الأزمة زخمها الذاتي".

وعلى عكس حزب المحافظين الذي أطاح بعدة قادة خلال السنوات الأخيرة، يفتقر حزب العمال للخبرة في الانقلابات الداخلية الناجحة، إذ أشار أحد منظري الحزب للصحيفة البريطانية: "نحن غير ماهرين في الإطاحة بزعمائنا، لم نفلح في ذلك أبدًا".

ولم يسبق الإطاحة برئيس وزراء عمالي في منصبه بفعل تمرد داخلي، إذ شهد القرن الحالي ثلاث محاولات رئيسية لإقصاء زعماء الحزب، باءت جميعها بالفشل.

رغم اعتزاز ستارمر بصلابته وقدرته على المواجهة، كشفت "فايننشال تايمز" أنه كان على وشك الاستقالة من زعامة الحزب عام 2021 إثر هزيمته في الانتخابات التكميلية.

وعلق مصدر مقرب منه: "محاولة إقصائه بالطرق الرسمية محكوم عليها بالفشل وستجعل الجميع أضحوكة، لذا فإن السبيل الوحيد لرحيله هو أن يقرر ذلك بنفسه".