تحلم الصين اليوم بأن تتفوّق حتى على الزمن، في سباقها نحو ريادة عالمية جديدة لا تكتفي بالتفوّق التكنولوجي أو الاقتصادي، بل تمتد إلى هندسة العمر البشري نفسه في مختبرات إطالة العمر.
وبحسب تقرير موسّع نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، جعلت بكين من مكافحة الشيخوخة وإطالة العمر مشروعًا وطنيًا، تضخ فيه المليارات، رغم الشكوك العلمية والاتهامات بالمبالغة في بعض الادعاءات.
القصة بدأت على نحوٍ غير متوقّع، عندما التقط ميكروفون التلفزيون الصيني الرسمي أحيرًا حوارًا جانبيًا بين الزعيم الصيني شي جين بينج والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال لقائهما الأخير، إذ تبادل الرجلان الحديث عن إمكانية أن يعيش الإنسان حتى 150 عامًا.. وربما إلى الأبد.
هذه اللقطة أثارت فضول الإعلام، وفتحت الباب أمام تسليط الضوء على مختبرات إطالة العمر في الصين، وعلى ما يُعرف بـ"جزر الخلود" وحبوب مستخلص بذور العنب كجزء من المشروع الوطني الصيني الذي تم تجربته من خلال غرفة العلاج بالتبريد في مؤتمر لإطالة العمر ومكافحة الشيخوخة في شنجهاي.
وقال ليو تشينجهوا، كبير مسؤولي التكنولوجيا في شركة Lonvi Biosciences التي طوّرت حبوبًا مضادة للشيخوخة اعتمادًا على مركب مستخلص من بذور العنب: "العيش حتى 150 عامًا أمر واقعي بالتأكيد. في غضون سنوات قليلة، سيصبح هذا حقيقة".
ورغم أن فكرة "إكسير الحياة" ليست جديدة -إذ تبنّاها مليارديرات التكنولوجيا الأمريكيون مثل بيتر ثيل في السنوات الأخيرة- فإن الصين تعيد إحياء الحلم على نطاقٍ مؤسسي، مدعومٍ بالدولة والقطاع الخاص.
وليس غريبًا أن يكون لهذا السعي جذور ضاربة في التاريخ الصيني؛ فقبل أكثر من ألفي عام، أمر الإمبراطور الأول تشين شي هوانج بالبحث عن جرعات الخلود في أنحاء البلاد، وفي حال لم ينجح ذلك، أمر أيضًا بإنشاء آلاف من محاربي التراكوتا لحمايته في قبره إذا مات، لكنه توفي عن عمر 49 عامًا، ويُرجّح أنه بسبب تسمم بالزئبق جرّاء "علاجٍ مضاد للشيخوخة". واليوم، يبدو أن بكين عازمة على إكمال ما بدأه الإمبراطور، ولكن بأدوات العلم لا بالخرافة.
ويشمل المشروع الصيني أيضًا أبحاثًا في مجال "خلايا الزومبي" - وهي خلايا تالفة توقفت عن الانقسام لكنها لا تموت- باعتبارها مفتاحًا لإبطاء الشيخوخة.
ومع أن بعض العلماء الغربيين يحذرون من المبالغة، إلا أن حرص الصين على اللحاق بالغرب، وتجاوزه كلما أمكن، في مجال التكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة الأخرى، جعلها تضخّ استثمارات في هذا المجال وسط واهتمام رسمي وشعبي جعل من علم إطالة العمر فرعًا معترفًا به ومربحًا أحيانًا في الصين.
وقال فاديم جلاديشيف، أستاذ الطب في جامعة هارفارد وأحد أبرز رواد علم الشيخوخة والذ قام بتجربة أدت إلى إطالة متوسط عمر الفئران المسنة عن طريق ربط أجهزتها الدورية بالفئران الشابة، إن الصين "تحسّنت بسرعة كبيرة في هذا المجال، فقبل بضع سنوات لم يكن شيء يُذكر، بينما كان الغرب متقدمًا بفارق واسع".
ووفقًا لصحيفة "الشعب اليومية"، بلغ متوسط العمر المتوقع في الصين 79 عامًا العام الماضي، أي أعلى بخمس سنوات من المتوسط العالمي، لكنه لا يزال دون مستوى اليابان التي تتصدر العالم بـ85 عامًا، وبعيدًا جدًا عن الرقم الذي حلم به شي وبوتين وهو 150 عامًا.
وعلى الرغم أن حديث الزعيمين كان على الأرجح عابرًا، فإن معارضي الحزب الشيوعي المنفيين رأوا فيه دلالة رمزية على طموحات النظام. واستشهدوا بفيديو نُشر عام 2019 يُزعم أنه ترويجي لـ"المستشفى 301" العسكري في بكين، الذي يُقال إنه يقدّم علاجات تجريبية لإطالة عمر كبار المسؤولين.
وتراهن الشركات الصينية، مثل Lonvi Biosciences، على أن مستخلص بذور العنب قادر على تنشيط الخلايا ومكافحة الشيخوخة، فيما يُعتقد أن دمجه مع نمط حياة صحي ورعاية طبية متقدمة قد يتيح للإنسان العيش أكثر من 100 عام، وربما 120 عامًا.
لكن الباحثين الغربيين يتعاملون بحذر. إذ قال ديفيد فورمان، الأستاذ المشارك في معهد باك بجامعة ستانفورد، إن الحبوب الصينية "تبدو واعدة"، لكنها تحتاج إلى تجارب سريرية موسعة لإثبات فعاليتها والتحقق من صحة نتائجها.