مع اقتراب مرور عام على اتفاق وقف إطلاق النار الذي أنهى حربًا استمرت سنة بين إسرائيل وحزب الله، واصل جيش الاحتلال شنَّ غاراته على جنوب لبنان، بذريعة استهداف بنى عسكرية وعناصر في الحزب يحاولون إعادة بناء قدراته، في الوقت الذي لا تزال قوات الاحتلال باقية في 5 نقاط حدودية، يطالب لبنان بالانسحاب منها.
وبدأ الجيش الإسرائيلي منذ الخميس الماضي، حملة قصف مكثفة على بلدات الجنوب اللبناني، زاعمًا أن غاراته استهدفت مواقع تابعة لحزب الله، ردًا على ما وصفه بمحاولات الحزب لإعادة بناء قدراته في المنطقة.
شنَّ جيش الاحتلال الإسرائيلي، أمس السبت، غارة جوية استهدفت سيارة مدنية على طريق يربط بين الجنوب اللبناني ومنطقة البقاع شرقي البلاد، ما أدى إلى اشتعال النيران في المركبة واستشهاد عددٍ من ركابها وإصابة آخرين.
وقال مراسل القاهرة الإخبارية أحمد سنجاب، إن جيش الاحتلال الإسرائيلي يواصل استهدافه لمناطق متعددة في الجنوب اللبناني، في ظل تحليق مكثف للطيران الإسرائيلي في أجواء القرى والبلدات الحدودية.
وأضاف سنجاب أن التصعيد الإسرائيلي يأتي في إطار توسيع رقعة الاعتداءات الجوية على الأراضي اللبنانية خلال الأيام الماضية، في ظل تصاعد التوتر على الحدود الجنوبية واستمرار عمليات القصف المتبادل بين الجانبين، مؤكدًا أن الوضع الميداني في الجنوب اللبناني يشهد حالة استنفار واسعة في صفوف الأهالي والدفاع المدني، تحسبًا لأي استهداف جديد.
وفي بيان صدر الخميس الماضي، اتهم حزب الله إسرائيل بانتهاك وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في نوفمبر 2024 بشكل متكرر، و"ابتزاز" الحكومة اللبنانية للاعتراف بإسرائيل.
وأكد البيان أن "لبنان ليس معنيًا إطلاقًا بالخضوع للابتزاز العدواني أو الانجرار إلى مفاوضات سياسية مع العدو الصهيوني، فهذه المفاوضات لا تخدم أي مصلحة وطنية، وتشكل مخاطر وجودية على الكيان اللبناني وسيادته"، مؤكدًا "حقه المشروع في مقاومة الاحتلال والعدوان".
من جهته، وصف الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون، ما ترتكبه إسرائيل في جنوب لبنان بالجريمة مكتملة الأركان، ليس فقط وفقا لأحكام القانون الدولي الإنساني، الذي يجرم استهداف المدنيين وترويعهم وإجبارهم على النزوح من ديارهم، بل يعد كذلك جريمة سياسية نكراء.
وأضاف أن إسرائيل تتباهي باستهانتها بقرار مجلس الأمن رقم 1701، وتتمادى في خرقها لالتزاماتها بمقتضى تفاهم وقف الأعمال العدائية.
وأدان الاتحاد الأوروبي الغارات الإسرائيلية الأخيرة على جنوب لبنان، ودعا إلى احترام اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في نوفمبر 2024 مع حزب الله.
كما قال المتحدث باسم قوات الأمم المتحدة في لبنان (يونيفل) داني جيفري، أمس السبت، إنه يخشى من اندلاع التوتر مجددًا في الجنوب اللبناني بسبب الخروقات الإسرائيلية.
وأكد "جيفري"، في مداخلة على "القاهرة الإخبارية"، أن استمرار الخروقات الإسرائيلية لقرار مجلس الأمن رقم 1701 يشكّل مصدر قلق بالغ، محذرًا من أن تصاعد التوتر الميداني في الجنوب اللبناني يهدد "الاستقرار الهش" في البلاد، حسب وصفه.
وأوضح المتحدث باسم قوات الأمم المتحدة في لبنان، أن قوات "يونيفل" توثّق جميع الانتهاكات الإسرائيلية وترفع تقارير دورية إلى مجلس الأمن، مشيرًا إلى أن مهمتها الأساسية هي مراقبة تنفيذ القرار 1701 والحفاظ على التهدئة عبر التنسيق المستمر مع الجيشين اللبناني والإسرائيلي.
وأضاف أن التصعيد الأخير أثار مخاوف من وقوع خطوات غير محسوبة قد تؤدي إلى تجدد الأعمال العدائية، مشددًا على أن الحل الوحيد هو العودة إلى المسار الدبلوماسي ووقف الهجمات فورًا، حفاظًا على سلامة المدنيين وأفراد بعثة حفظ السلام.
وذكر أن الجيش اللبناني بدأ منذ نوفمبر 2024 إعادة نشر وحداته في منطقة عمليات البعثة بجنوب لبنان بمساندة من الأمم المتحدة، غير أن استمرار الغارات الإسرائيلية يعرقل هذه الجهود ويؤخر انتشار القوات اللبنانية بالكامل.
كما قال إن وجود الجيش الإسرائيلي داخل بعض الأراضي اللبنانية لا يزال يمثل عقبة أمام تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1701، مشيرًا إلى أن الأمم المتحدة دعت مرارًا تل أبيب للانسحاب من تلك المواقع وإزالة المناطق العازلة.
ولفت إلى أن الغارات الإسرائيلية الأخيرة كانت شديدة التدمير وهددت سلامة المدنيين، مطالبًا بوقفها الفوري، مؤكدًا أن الحلول العسكرية غير مجدية، والحل يكمن في العودة إلى الآليات الدبلوماسية وتنفيذ القرار الدولي بحذافيره.
وتجدر الإشارة إلى ما أعلنته (يونيفيل) في شهر أكتوبر الماضي، أنها وثقت ما يقرب من 6300 انتهاك جوي، بما في ذلك ما يقرب من 100 هجوم جوي، ونحو 950 مسارًا جويًا تم رصده من الجنوب إلى الشمال، منذ 27 نوفمبر.
ودخل اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل حيز التنفيذ في 27 نوفمبر 2024، منهيًا بذلك صراعًا حدوديًا استمر لأكثر من عام بين إسرائيل وحزب الله.
وبموجب الاتفاق، كان على إسرائيل وقف العمليات الهجومية والانسحاب تدريجيًا من مواقعها داخل جنوب لبنان، بينما كان على حزب الله سحب أسلحته الثقيلة شمال نهر الليطاني. ومع ذلك واصلت إسرائيل قصف أهداف في لبنان، متهمة حزب الله بانتهاك الهدنة، وهي مزاعم نفاها الحزب.
وإضافة إلى الغارات، أبقت إسرائيل على قواتها في 5 تلال في جنوب لبنان، بعكس ما نص عليه الاتفاق، وتطالب بيروت المجتمع الدولي بالضغط على تل أبيب لتنفيذ التزاماتها.
ووجهت إلى إسرائيل اتهامات بارتكاب العديد من الانتهاكات الأخرى في لبنان -لا سيما في المناطق المدنية- خلال الأشهر القليلة الماضية، وأفادت الأمم المتحدة بأن إسرائيل قتلت أكثر من 100 مدني في لبنان منذ الهدنة. وسابقًا، أفاد موقع "أكسيوس" الأمريكي، بأن إدارة ترامب طلبت من إسرائيل تقليص العمليات العسكرية في لبنان لتشجيع بيروت على نزع سلاح حزب الله.