تشهد أروقة السياسة والدبلوماسية في بروكسل اضطرابًا كبيرًا، على خلفية مزاعم تجسس نفذتها حكومة رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان استهدفت أنشطة المفوضية الأوروبية، شملت المفوض المجري أوليفر فاريلي، والذي أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أنها "ستتناول مزاعم التجسس المجري معه"، لكنها استبعدت تعليق عمله في هذه المرحلة.
وقالت المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية باولا بينهو، للنسخة الأوروبية من صحيفة "بوليتيكو"، أن الهيئة التنفيذية للاتحاد الأوروبي تجري تحقيقاتها، لكن "حتى الآن هذه مجرد ادعاءات".
وبحسب التحقيق المشترك الذي أجرته صحيفتي "دير شبيجل" الألمانية و"دي تييد" البلجيكية وموقع "ديركت 36" المجري، حاول ضباط استخبارات مجريون متنكرين في عمل دبلوماسي التسلل إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي خلال الفترة التي شغل فيها فاريلي -الذي أصبح الآن مفوضًا أوروبيًا- منصب سفير المجر لدى الاتحاد الأوروبي.
أيضًا، أعلنت المفوضية عن خطط لإنشاء فريق عمل داخلي لتقييم الادعاءات، وصرح المتحدث باسم المفوضية بالاز أوجفاري، بأنه في حين اتُخذ قرار إنشاء الفريق، إلا أن تشكيله وصلاحياته لا تزال قيد التحديد.
وتشير "بوليتيكو" إلى أن أنشطة التجسس المجرية المزعومة ستكون "أقرب إلى ممارسات موسكو وبكين منها إلى ممارسات دولة عضو في الاتحاد الأوروبي"، وقد يُفاقم ذلك انعدام الثقة بالمجر في بروكسل.
بناء الشبكة
مع تصاعد الخلافات بين حكومة أوربان والمفوضية الأوروبية، ازداد الطلب في بودابست على المعلومات التي لا يمكن الحصول عليها إلا من داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك المعلومات المتعلقة بحرية الإعلام والميزانية.
ونقل التحقيق عن ضابط استخبارات مجري سابق رفيع المستوى: "أصبح الاتحاد الأوروبي هدفًا تدريجيًا.. وعندما بدأ خطاب الحكومة يركز على بروكسل، أصبحت البيروقراطية هناك أيضًا هدفًا للاستخبارات المجرية".
أظهر التحقيق المشترك وثائق كشفت أن عميلاً مجريًا -لم تحدد هويته- كان متمركزاً في بروكسل بين عامي 2015 و2017 كدبلوماسي يعمل بالسفارة المجرية، وبحسب التقارير كان العميل يعمل في الواقع لصالح جهاز الاستخبارات الخارجية المجري (IH)، وكان يسعى إلى إقامة علاقات داخل المفوضية الأوروبية ومنظمات أخرى في الاتحاد الأوروبي.
ولفت إلى أن التجسس المجري في بروكسل يعتمد في المقام الأول على الاستخبارات البشرية، إذ يتلقى الجواسيس مساعدة من دبلوماسيين مجريين آخرين ومسؤولين من الاتحاد الأوروبي.
أيضًا، من اللافت للنظر أن جهاز الاستخبارات المجري يصنف عملاءه داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي باستخدام تسميات قديمة من عهد جهاز الاستخبارات السوفييتي (KGB)، إذ إن أي شخص يوافق شفهيًا يُطلق عليه "جهة اتصال محلية موثوقة"، بينما يُصنف من يوقع اتفاقية ضمن فئة "المتعاون السري".
وأوضح التحقيق أن العملاء المجريون لم يكن المال هو ما يقنعهم فحسب، بل أحيانًا أيضًا بدعمٍ بسيط في مسيرتهم المهنية، أو تذكيرهم بـ"واجبهم الوطني".
وبمجرد موافقة أحدهم على التعاون، كانت تُعقد لقاءاتٌ شخصية في المجر، تفاديًا لكشف تجسس الدبلوماسيين في بروكسل، كما كان على المعلومات التي ينقلونها أن تمر عبر قنوات اتصال سرية وآمنة.
استهداف المفوضية
حسب التقارير، كان هناك ما لا يقل عن ستة عملاء للاستخبارات المجرية يعملون تحت غطاء دبلوماسي، وكانت مهمتهم واسعة النطاق.
ونقلت إذاعة فرنسا الدولية إن العملاء المجريين "حاولوا تجنيد مواطنين مجريين يعملون داخل النظام المؤسسي للاتحاد الأوروبي كمتعاونين أو مخبرين سريين لتقديم معلومات حول أي تدابير مضادة، على سبيل المثال، لحملة حكومة أوربان على حرية الإعلام، أو سيادة القانون، أو استقلال القضاء، فضلاً عن أي خطوات كانت المفوضية الأوروبية تعدها بشأن اختلاس أموال الاتحاد الأوروبي في المجر".
وبحسب التقرير، طُلب من هؤلاء العملاء أيضًا "إعادة كتابة" أو إزالة أجزاء من المسودات "لضمان أن تعكس النصوص النظرة العالمية لحكومة أوربان".
وذكرت وسائل الإعلام المشاركة في التحقيق أن مسؤولًا كبيرًا في بروكسل قال إنه التقى العميل المجري كل بضعة أشهر لإجراء محادثات ودية، لكنه سرعان ما أدرك أن المجري "كان جاسوسًا يبحث عن أي نوع من الشائعات حول المفوضية".
وفي نهاية المطاف، أسفرت الاجتماعات -التي عقدت عادة في إحدى حدائق بروكسل- عن إعداد العميل وثيقة من شأنها أن تضفي الطابع الرسمي على مسؤول المفوضية باعتباره "عميلًا سريًا" لجهاز الاستخبارات المجري، حتى مع استمراره في العمل داخل المفوضية.
لكن المسؤول لم يوقع على الوثيقة، فيما عرض عليه العميل مبلغًا من المال مقابل معلومات، وهو ما رفضه.
وفي عام 2017، انكشف زعيم الشبكة، الذي عُرف فقط بالحرف الأول "V"، في الوقت الذي تصرف عملاؤه "بتهور شديد"، فأُبلغ عنهم جهاز أمن الاتحاد الأوروبي، ما أدى إلى كشف هويتهم من قِبل جهاز الاستخبارات البلجيكي (VSSE).
ونقلت إذاعة فرنسا عن مصدر مطلع على عمليات جهاز الاستخبارات المجرية آنذاك: "كانت قضية خطيرة.. كاد الجميع أن يُحرقوا (يتم كشفهم).. كان لا بد من إعادة بناء شبكة الاستخبارات المجرية بأكملها من الصفر".
كما لفتت التقارير إلى أن الحكومة المجرية اشترت مبنى مرموقًا للغاية في وسط بروكسل، مباشرة عبر الشارع من مكتب رئيس الوزراء البلجيكي، تولي المخابرات البلجيكية اهتمامًا خاصًا له.