قبل أيام قليلة من خطاب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في مؤتمر حزب العمال، حيث تعهّد بإنهاء "التجارة الدنيئة" المتمثلة في الاتجار بالبشر نهائيًا، عبر المانش القناة الإنجليزية الشهيرة، زورق عملاق صيني الصنع على متنه 125 شخصًا، وهو أكبر عدد على الإطلاق يُنقل على متن سفينة واحدة.
الزورق، الذي يبلغ طوله 40 قدمًا وعرضه 10 أقدام، يُعد بمثابة "سفينة عابرة للمحيطات بالنسبة لمهربي البشر"، خاصة عندما تكون محمّلة بأكثر من طاقتها، إذ يمكنه نقل عشرات المهاجرين إلى بريطانيا في رحلة واحدة.
وحسب تقرير صحيفة "ذا تليجراف" البريطانية، كشف استخدام الزورق الصيني الجديد عن فشل حزب العمال في احتواء أزمة المهاجرين، مشيرةً إلى أن المشكلة "لم تعد تقتصر على القوارب الصغيرة".
كانت عمليات تهريب البشر بين المملكة المتحدة وفرنسا تُهيمن عليها خمس عصابات منظمة كبيرة، لكن الوضع الحالي يشهد تزايدًا في الانقسام بسبب ضعف إنفاذ القانون في كلا البلدين، مما أدى إلى ظهور جهات أصغر حجمًا. وقد رافق هذا التشرذم زيادة في العنف، إذ باتت بعض العصابات تستخدم الأسلحة النارية وتدخل في اشتباكات مسلحة.
بيع وتهريب
في إطار تعهّد ستارمر بـ "سحق العصابات"، عملت الحكومة البريطانية مع جهات إنفاذ القانون في الاتحاد الأوروبي لوقف استيراد القوارب المطاطية الرخيصة، التي لا تفي بمتطلبات اختبارات صلاحية الإبحار، وطلبت من الصين التوقف عن تصدير محركات القوارب الخارجية التي يستخدمها مهربو البشر.
وسط ضجة إعلامية كبيرة في يوليو، فرضت الحكومة عقوبات على شركة صينية، وهي Weihai Yamar Outdoors Product، التي كانت تعلن عن "قوارب لاجئين" للبيع على موقعها الإلكتروني.
مع ذلك، لا تزال قوارب النجاة التي يستخدمها المهربون معروضة للبيع بأسعار زهيدة تصل إلى 1000 جنيه إسترليني على موقع "علي بابا"، وفقًا لتقارير هذا الأسبوع. وبينما لم يعد يتم تسويقها على أنها "قوارب مهاجرين"، يبدو أن البائعين يدركون تمامًا هوية سوقهم، حيث يُظهر أحد الإعلانات قارب نجاة على الشاطئ.
يقع معظم صانعي القوارب الصينيين في مدن الموانئ الشرقية مثل تشينجداو، حيث تُشحن منتجاتهم عادةً إلى تركيا، التي تُعدّ بدورها مركزًا لتهريب البشر. ثم تُنقل هذه القوارب إلى الاتحاد الأوروبي عبر بلغاريا، وغالبًا ما تُخزّن في ألمانيا، حيث خلّف التدفق الكبير للمهاجرين السوريين والأفغان منذ عام 2015 بنية تحتية لتهريب البشر، قبل أن تُنقل في النهاية إلى شمال فرنسا.
وفق صحيفة "ذا تليجراف"، ثبت أن تضييق الخناق على هذه الصناعة أمر بالغ الصعوبة. ففي قمة عالمية حول الهجرة عُقدت في لندن، تعهّدت شركات التكنولوجيا الكبرى على منصات التواصل الاجتماعي بمنع مهربي البشر من الإعلان عن خدماتهم وبضائعهم، لكن تطبيق القانون عمليًا يظل صعبًا.
أزمة القوارب
منذ بدء أزمة القوارب الصغيرة قبل سبع سنوات، ارتفع عدد المهاجرين على كل سفينة بشكل حاد. ففي عام 2018، كان كل قارب يحمل في المتوسط 7 ركاب، بينما يبلغ المتوسط هذا العام 61 راكبًا.
ومع هذه الأعداد الإضافية، يزداد الخطر. فبينما يكون معظم الركاب من الذكور البالغين، غالبًا ما تحشر العصابات بعض النساء والأطفال أيضًا، مدركةً القيمة التكتيكية لوجود أشخاص "ضعفاء" على متن القارب. إذ يمكن استخدامهم إما لردع سفن الشرطة الفرنسية عن اعتراضهم وإعادتهم، أو لدفع السفن البريطانية إلى انتشالهم.
أما على متن القوارب الأكبر حجمًا، فإن العدد الهائل من الأشخاص غالبًا ما يُسبب تدافعًا شديدًا، ما يجعل مبادئ "النساء والأطفال أولًا" تُنسى. على سبيل المثال، على متن إحدى السفن التي حاولت نقل 70 مهاجرًا في سبتمبر، أفاد مسؤولون فرنسيون بالعثور على ثلاثة أشخاص، بينهم طفلان، سحقًا في قاع القارب. كما عُثر على امرأتين صوماليتين ميتتين في ظروف مماثلة على متن قارب آخر نهاية الأسبوع الماضي.
وكما أشارت منظمة مراقبة الهجرة في المملكة المتحدة الشهر الماضي، فإن عدد المهاجرين الذين عبروا القنال الإنجليزي، البالغ 182 ألف مهاجر منذ عام 2018، يفوق الآن إجمالي عدد القوات المسلحة البريطانية العاملة والاحتياطية، البالغ قوامها 180 ألف جندي.
وتلفت الصحيفة البريطانية إلى أن هناك جهودًا جارية لمنع تهريب الزوارق الصينية العملاقة إلى الاتحاد الأوروبي عبر بلغاريا، لكن الأمر يشبه عرقلة عملية تهريب يجد أصحابها طريقًا آخر. كما يُشكك البريطانيون في مستوى تعاون الفرنسيين، معتبرين أن تكنولوجيا الطائرات المُسيّرة الحديثة، المستخدمة في مراقبة الساحل المحيط بكاليه، يمكن أن تمكّن من إيقاف أي قوارب مطاطية كبيرة قبل إبحارها بوقت كافٍ.