◄| المهرجانات تحفظ الذاكرة وتبني هوية المدن
◄| النوادي السينمائية كانت مدرستنا الأولى والسينما المصرية ملهمة
"النوادي السينمائية في الستينيات والسبعينيات كانت المدرسة الحقيقية لنا، كنا نتعلم من مشاهدة الأفلام ونناقشها ونفهم قيمتها، وهو ما لا يمكن أن توفره شاشة التلفزيون وحدها"، بهذه الكلمات استهل المخرج التونسي مختار العجيمي حديثه في ندوة تكريمه بمهرجان بورسعيد السينمائي، مؤكدًا أن تلك النوادي شكّلت وعيه الفني في مرحلة المراهقة وأسهمت في تحديد مساره المهني.
استعاد المخرج ذكرياته مع أول تجربة له، وهو في الـ16 من عمره، عندما شارك في مهرجان سينمائي للهواة بدولة ليبيا بفيلم قصير بالأبيض والأسود، اعتبره حافزًا كبيرًا للاستمرار في الطريق الصعب. وأكد أن جيلًا كاملًا من الشباب العربي كان محظوظًا بهذه التجربة التي ساعدتهم على اكتشاف السينما كفن وثقافة، مشيرًا إلى أن المجتمعات اليوم بحاجة ماسّة لإحياء هذا الدور في المدارس والجامعات، حتى تنشأ أجيال جديدة تمتلك ثقافة مشاهدة نقدية.
انتقل العجيمي للحديث عن المهرجانات السينمائية ودورها الحيوي، موضحًا أنها ليست مجرد تظاهرات عابرة، وإنما ذاكرة حية تحفظ للأجيال تاريخها الفني والثقافي. وقال إن الشعوب التي لا تتعلم من الماضي لا يمكن أن تتطور، وإن المهرجانات تمثل جسرًا بين الذاكرة والواقع، وبين الحلم بما هو ممكن وما يمكن تحقيقه في المستقبل.
السينما المصرية
وفي سياق حديثه عن تأثير السينما المصرية في رحلته، أكد المخرج أنه يكن إعجابًا كبيرًا لعدد من عمالقة التمثيل في مصر والعالم العربي، وعلى رأسهم محمود المليجي الذي وصفه بالأيقونة الخالدة، لافتًا إلى أن أداءه ظل محفورًا في ذاكرة أجيال. كما أشار إلى استفادته من متابعة أعمال فنانين تونسيين، شكّلوا علامات فارقة في مسيرة السينما العربية.
وعن طابع أعماله، أقرّ بأن تجربته تميل أكثر إلى الأفلام الوثائقية مقارنة بالروائية، مرجعًا ذلك إلى صعوبات الإنتاج في تونس. وأوضح أن السينما الروائية تحتاج إلى سوق كبيرة مثل مصر لتغطية تكاليفها الضخمة، بينما الوثائقي أقل تكلفة وأكثر قابلية للتنفيذ. ولفت إلى أن آخر أفلامه الوثائقية حصل على تقدير في مهرجانات دولية، لكنه شدّد على أن التمويل ما زال العائق الأكبر أمام صناعة الأفلام الروائية في بلاده، حيث تصل تكلفة الفيلم الجيد إلى نحو 30 مليون جنيه مصري، وهو رقم بعيد المنال بالنسبة لمنتجي تونس.
كما كشف العجيمي عن أحدث مشاريعه، وهو فيلم وثائقي بعنوان "حذاء" يتناول أربع شخصيات مختلفة، وأعرب عن أمله في أن يجد دعمًا إنتاجيًا يليق بالفكرة ويساعده في الوصول إلى جمهور أوسع، مؤكدًا أن التجارب الكبيرة لا تنمو إلا إذا وجدت بيئة حاضنة وداعمة.
هوية خاصة لـ"بورسعيد"
وفي حديثه عن مهرجان بورسعيد السينمائي، وصف المخرج الدورة الأولى بأنها خطوة بالغة الأهمية للمشهد الثقافي العربي، مشيرًا إلى أن تأسيس مهرجان في مدينة مثل بورسعيد يمنحه هوية خاصة يجب الحفاظ عليها. وقال إن ما لفت انتباهه منذ البداية هو الحماس الكبير خلف الفكرة، موضحًا أن التأسيس مهمة صعبة، لكن الأصعب هو ضمان الاستمرارية وتوفير الدعم المادي والمعنوي.
وأكد أن المهرجان يحمل رسالة مزدوجة، فهو يجمع بين الثقافة والسياحة من جانب، وبين السينما كفن قادر على تشكيل صورة إيجابية للمدينة والبلد من جانب آخر، مشبّهًا هذه التجربة ببدايات مهرجانات كبرى في المنطقة تحوّلت لاحقًا إلى علامات فارقة.
وشدّد العجيمي على أن التحدي الحقيقي أمام أي مهرجان جديد هو الحفاظ على هويته المستقلة وعدم الذوبان في صورة غيره، لافتًا إلى أن لكل مدينة طابعها، كما هو الحال في القاهرة أو الإسكندرية، وبورسعيد بدورها مطالبة ببناء خصوصيتها داخل الخريطة السينمائية. كما أكد على ضرورة وجود لجان تحكيم متنوعة من الداخل والخارج لضمان الحياد والثراء الفني، مشبّهًا الأمر بمباريات كرة القدم التي تحتاج إلى حكّام محايدين حتى تنجح.
واستكمل المخرج حديثه بالتعبير عن اعتزازه الكبير بالتكريم، مؤكدًا أن وجوده في بورسعيد يمثل له لحظة إنسانية وفنية مميزة. وقال إن المهرجان يمثل مولودًا جديدًا يحتاج إلى الرعاية والمتابعة كي يكبر ويصبح محطة أساسية لعشّاق السينما، متمنيًا أن يجد الدعم الكافي من السلطات والجهات المختلفة، لأن نجاحه لن يكون انتصارًا لبورسعيد وحدها، بل إضافة للحركة السينمائية في المنطقة بأكملها.
وقال العجيمي ضاحكًا: "تكريمي في مهرجان بورسعيد وبمهرجان مصري كان له صدى كبير في تونس، ووجدت الكثير من الصحف في بلدي تكتب عن هذا التكريم، ربما لم أكن أحظى بنفس هذا الاهتمام لو فزت بالسعفة الذهبية في مهرجان كان، بالفعل هذا الأمر له تأثير كبير عليّ ويشعرني بسعادة حقيقية".