في حياة كل فنان لحظات تتجاوز الأضواء، وتكسر زيف الكاميرا، وتعيده إلى جوهر الإنسان الهش أمام القدر، هكذا بدت الفنانة المصرية نجلاء فتحي وهي تستعيد تفاصيل حادث السيارة الذي كاد يطوي صفحتها إلى الأبد.
تحكي نجلاء فتحي في حوار نادر عام 1990 تفاصيل لأول مرة، عن الحادث الذي تعرضت له مع الفنان المصري الراحل أحمد زكي وكاد يودي بحياتها، وفي يوم ميلادها الذي يحل اليوم (21 سبتمبر 1951) نتذكر ما روته عن الواقعة.
تقول: "ثمة أقدار أنقذتني في اللحظة الأخيرة.. وكأن السماء اختارت أن تكتب لي عمرًا جديدًا، لم يكن ما حماني من الموت إلا المصحف الذي أهداني إياه أحمد زكي، يوم عودتي من مهرجان طشقند (عاصمة أوزبكستان)، ذاك المصحف الذي لم يفارقني أبدًا، أحمله بيدي، وأضعه إلى جواري أينما كنت، حتى بات السند الحقيقي في لحظات الانكسار".
تعود نجلاء فتحي بالأحداث إلى الوراء، إلى ما بعد الثانية صباحًا في المستشفى وتقول: "تسللت بخطوات حذرة إلى غرفة العناية المركزة، إلى حيث يرقد أحمد زكي منهكًا، جسده يتلوى من الألم وعيناه وحدهما بقيتا متقدتين بالحياة، اقتربت منه على أطراف أصابعي ونظرت في عينيه وهمست.. هل ترغب أن ترى ابنك هيثم؟.. ابتسم بضعف، وقال بصوت لا يكاد يسمع "هذه أمنيتي بالفعل".
ترددت "نجلاء" وهي تحاول أن تمنحه أملًا: "أيمكن أن أحضره لك في الصباح؟"، لكن أحمد حبس أنفاسه قليلًا قبل أن يقول:"لا أريده أن يراني بهذه الصورة لا أريد أن تعلق صورتي في ذاكرته وأنا ضعيف، ممدد على سرير المرض".
ثم تعود لتروي لحظة الحادث نفسه، كمن يستعيد كابوسًا يرفض أن ينطفئ وتقول: "كنت برفقة أحمد زكي، نتحدث في السيارة عن مشروع فيلم جديد، وعن صداقتنا التي تمتد منذ أن جمعنا فيلم "سعد اليتيم". فجأة، رأيت الرمال تتدحرج أمامنا وكأنها جدار، صرخ أحمد بأعلى صوته ثم فقد السيطرة على عجلة القيادة، لم أشعر بعدها إلا بغيبوبة قصيرة، لأفيق فأجد السيارة منكوبة، وأحمد ملقى على الرمال".
وتضيف: "اقتربت منه وأنا أناديه، لم يجب حاولت أن أفتح عينيه وأنا أصرخ باسمه، حتى همس بصوت: هيثم جرى له إيه؟ طمأنته أن لا شيء قد أصاب ابنه فقط نحن بخير".
لم تكن تلك اللحظات مجرد مواجهة مع الموت، بل امتحان لمعادن البشر. تقول نجلاء: "في الطريق إلى المستشفى كان أحمد يتألم بصمت، وأنا أتمسك بالمصحف طوال الطريق لم أملك إلا الدعاء".
ما حدث لـ"نجلاء" بحسب ما روت جعلها تفكر في قرار خطوبتها، التي أعتبرت أنها تسرعت فيه، وعن السبب في ذلك تقول: "أعلنت خطوبتي دون أن أحسب العواقب.. فالبشر معادن، ولا تكشف المعادن إلا في الشدائد، بينما كنت أواجه الموت وأتلقى اتصالات من أنحاء العالم للاطمئنان عليّ، لم يتجاوز موقف خطيبي مكالمة هاتفية قصيرة ولم يكن هنا، لم يساندني، لم يحاول أن يمد يده وسط العاصفة".
وتكمل: "بعد كل ما مررت به، اكتشفت أنني لا أستطيع العيش بعيدًا عن ابنتي ياسمين، ولا أن أهاجر إلى لندن لأكون زوجة في الغربة أحد عشر شهرًا، ثم أعود لمجرد فيلم، هذا ضد طبيعتي وضد إنسانيتي كأم.. لهذا، كما تسرعت في إعلان خطوبتي، أتسرع الآن في إعلان نهايتها هذه المرة بلا عودة ولا ندم".
ومنذ ذلك الحادث، ابتعدت نجلاء فتحي عن صخب بيتها في مصر الجديدة، ولجأت إلى فيلا شقيقتها بالمهندسين هناك، بين الجدران الهادئة، تبحث عن راحة أعصابها المرهقة، وتلتمس السكينة في زياراتها لأضرحة أولياء الله الصالحين، وتقول: "كل ما جرى جعلني أعود إلى نفسي، أراجع قراراتي، وأتأمل حياتي بصدق، ربما كنت أبحث عن الحب أو الأمان، لكنني تعلمت أن الأمان الحقيقي يسكن في الداخل، في الإيمان، في الصدق مع النفس".