نجحت المملكة المتحدة في تحويل ما اعتبره كثيرون "كارثة بريكست" إلى أعظم انتصاراتها الاستراتيجية، من خلال إبرام تحالف تقني ضخم مع الولايات المتحدة بقيمة 150 مليار جنيه إسترليني يركز على الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة. وبحسب صحيفة "ذا تليجراف" البريطانية، فإن هذا التحالف يمثل "لحظة فاصلة" تضع بريطانيا على خريطة القوى العظمى التقنية عالميًا.
من العزلة إلى الريادة
استطاعت المملكة المتحدة الاستفادة بشكل استثنائي من استقلالها عن القيود التنظيمية الأوروبية، إذ أكدت "ذا تليجراف" أن "مشروع 2025"، المخطط الاستراتيجي لإدارة ترامب، نص صراحة على أن أمريكا لديها "مصلحة قومية في ضمان عدم انزلاق بريطانيا مرة أخرى إلى مدار الاتحاد الأوروبي".
وأوضحت الصحيفة البريطانية أن بروكسل "تركت واشنطن تخطف فريستها بإهمال" نتيجة التعامل العقابي مع بريكست.
وفي هذا السياق، أشاد جنسن هوانج، الرئيس التنفيذي لشركة نفيديا العملاقة البالغة قيمتها 4 تريليونات دولار، بالنهج البريطاني قائلاً: "المملكة المتحدة ستصبح قوة عظمى في الذكاء الاصطناعي"، مؤكدًا أن بريطانيا تنظم هذا المجال "كفرصة يجب اغتنامها، بينما الاتحاد الأوروبي ينظمه كتهديد يجب احتواؤه".
فشل بروكسل التنظيمي مقابل نجاح لندن الاستراتيجي
كشفت "ذا تليجراف" عن حجم الكارثة التنظيمية التي يواجهها الاتحاد الأوروبي، إذ وصف اللورد ماندلسون، مفوض التجارة الأوروبي السابق وأحد رموز الأيديولوجية الأوروبية في حزب العمال، قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي بـ"الكارثة المدمرة".
وأضاف ماندلسون: "بريكست حررنا لمتابعة علاقات أوثق مع الولايات المتحدة، ولدى بريطانيا الآن فرصة لاستخدام حريتها التنظيمية واستقلالها عن القانون الأوروبي".
وتزداد الأزمة تعقيدًا مع مطالبة قادة 46 شركة أوروبية كبرى بـ"إيقاف مؤقت لمدة عامين" على قانون الذكاء الاصطناعي، محذرين من أن "اللوائح الأوروبية غير الواضحة والمتداخلة والمعقدة بشكل متزايد" تهدد بتحويل القارة إلى "منطقة متخلفة تقنيًا".
كما دعا ماريو دراجي، رئيس الوزراء الإيطالي السابق ومؤلف تقرير مدمر حول التراجع الاقتصادي الأوروبي، إلى تعليق المرحلة التالية من القانون "حتى نفهم عيوبه بشكل أفضل".
ثورة الاستثمارات التقنية
يشهد القطاع التقني البريطاني تدفقًا استثنائيًا للاستثمارات الأمريكية الضخمة، حيث تتسابق عمالقة التكنولوجيا مثل جوجل ومايكروسوفت وكور ويف وبلاك ستون لبناء أكبر تجمع لمراكز البيانات كثيفة الاستهلاك للطاقة في أوروبا داخل المملكة المتحدة.
وبحسب "ذا تليجراف"، فإن هذه الشركات "نظرت بعمق إلى النشر السريع للرياح والطاقة الشمسية وأجهزة الربط البيني وقدرة البطاريات خلال السنوات الخمس المقبلة، وأعجبها ما رأته بشكل عام".
ويؤكد هوانج من نفيديا أن البريطانيين يجب أن "يتوقفوا عن التقليل من شأن أنفسهم"، مشيدًا بجامعاتهم ومحذّرًا: "أنتم لا تقدرون ذلك، جامعاتكم رائعة، أنتم متواضعون أكثر من اللازم".
رهان الطاقة النظيفة والنووية المتقدمة
تمكنت استراتيجية بريطانيا للطاقة النظيفة من جذب الاستثمارات التقنية الأمريكية الضخمة، رغم الانتقادات المحلية لسياسات "صافي الصفر".
وتشير "ذا تليجراف" إلى أن معظم شركات التكنولوجيا التزمت بالعمل بالطاقة النظيفة بالكامل بحلول نهاية هذا العقد، حيث تهدف جوجل لإزالة الكربون من 95% من عملياتها البريطانية العام المقبل، بينما تعهدت مايكروسوفت بأن تصبح "سالبة الكربون" عالميًا بحلول 2030.
وفي مجال الطاقة النووية المتقدمة، تقود بريطانيا مشاريع رائدة في المفاعلات النووية الصغيرة المعيارية، حيث تخطط شركة "تيرا باور" التابعة لبيل جيتس لبناء مفاعلها "الجيل الرابع" المبرد بالصوديوم في مواقع محطات الفحم القديمة.
كما تعتزم شركة "إكس-إنرجي" بناء أسطول ضخم بقدرة ستة جيجاوات من مفاعلاتها الصغيرة المبردة بالهيليوم في هارتلبول، بينما تخطط شركة "هولتك" لبناء مفاعلاتها بقدرة 320 ميجاوات في محطة كوتام القديمة لتزويد مراكز البيانات بالطاقة.
درس في تحويل الأزمات إلى فرص
"تختتم "ذا تليجراف" بالإشارة إلى أن الدرس المستفاد هو أن بريطانيا في وضع أفضل مما نعتقد، مع دعوة اليسار للتوقف عن "الحديث المستمر عن بريكست"، واليمين للتوقف عن "الاحتجاج بشأن سياسات صافي الصفر". ومن خلال هذا التحالف التقني الاستراتيجي، تثبت المملكة المتحدة أنها استطاعت تحويل ما اعتبره البعض "خطأ تاريخيًا" إلى واحدة من أكبر انتصاراتها في العصر الرقمي."