في خضم المفاوضات الجارية بين الحكومة السورية في دمشق وقوات سوريا الديمقراطية "قسد"، استنادًا إلى الاتفاق الموقع بين الطرفين في 10 مارس 2025، أعلنت وسائل إعلام رسمية، في 18 أغسطس الجاري، عن استعداد "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا" -الذراع السياسي والإداري لقسد- لعقد مؤتمر تشاوري جديد في مدينة الرقة، على غرار مؤتمر عقدته سابقًا في الحسكة في 8 أغسطس، والذي جاء المؤتمر تحت شعار "وحدة الموقف لمكونات شمال وشرق سوريا"، بمشاركة نحو 400 شخصية من قادة العشائر ورجال الدين والسياسيين، من بينهم الشيخ محمد مرشد الخزنوي، والشيخ حكمت الهجري، والشيخ غزال غزال، وركز بيانه الختامي على مطالب أبرزها: تأسيس دولة لا مركزية، وإعادة النظر في الإعلان الدستوري، والتشديد على الالتزام باتفاق 10 مارس 2025. غير أن مخرجات المؤتمر أثارت ردود فعل غاضبة في دمشق، دفعت الحكومة السورية إلى إعلان انسحابها من المشاركة في مؤتمر باريس، وهو ما أدى إلى تصعيد سياسي جديد فتح الباب أمام تساؤلات عدة بشأن أهداف "قسد" من هذه التحركات، ودلالاتها السياسية، وأثرها على مستقبل التفاوض مع الحكومة السورية.
تأسيسًا على ما تقدم، يسعى التحليل للإجابة عن سؤال: ما تداعيات مؤتمرات "قسد" على سير المفاوضات مع دمشق؟
التوقيت وحساسيته
جاءت تحركات "قسد" لعقد مؤتمرات سياسية وتشاورية في توقيت بالغ الحساسية، ومثّل مؤتمر "وحدة المواقف والمكونات في شمال سوريا"، المنعقد في الحسكة بتاريخ 8 أغسطس 2025، أولى هذه الخطوات العملية، تزامنًا مع عدة تطورات لافتة، وهي:
(*) ارتباط المؤتمر بأحداث السويداء ودرعا: عُقد المؤتمر بعد نحو ثلاثة أسابيع فقط من التصعيد الدموي في محافظتي السويداء ودرعا، وهو ما يعكس استغلال "قسد" لحالة الارتباك الأمني والسياسي في الجنوب السوري لتعزيز خطابها السياسي.
(*) تزامنه مع مفاوضات حساسة: أُقيم المؤتمر في ظل استمرار المفاوضات بين "قسد" والحكومة الانتقالية في دمشق، منذ توقيع اتفاق 10 مارس 2025، بشأن دمج مؤسسات الإدارة الذاتية في الدولة السورية، ما أثار تساؤلات حول نوايا "قسد" الحقيقية من هذا التحرك.
(*) طرح تساؤلات حول النيات السياسية: دفع التوقيت مراقبين للتساؤل عمّا إذا كانت "قسد" تسعى من خلال هذه المؤتمرات إلى تشكيل جبهة سياسية مناوئة للحكومة في دمشق، تعرض من خلالها نفسها كبديل وطني أمام المجتمع الدولي، أو أنها تسعى لصياغة وثيقة دستورية جديدة تمثل الأقليات، يتم طرحها كورقة تفاوضية مستقلة خارج الإعلان الدستوري الذي تبنته الحكومة.
(*) رسائل موجهة للداخل والخارج: من خلال توقيت المؤتمر ومكان انعقاده وحضور قوى سياسية ودينية من خارج مناطق الإدارة الذاتية، تسعى "قسد" لتكريس صورة الطرف الجامع لمكونات سوريا غير المركزية، بما يضيف لها وزنًا تفاوضيًا في المرحلة المقبلة.
أهداف ومقاصد "قسد"
تعكس مؤتمرات "قسد" الأخيرة، لا سيما تلك التي نُظمت في الحسكة والمزمع عقدها في الرقة، جملة من الأهداف السياسية والاجتماعية التي تسعى القيادة الكردية من خلالها إلى تعزيز موقعها التفاوضي في مواجهة الحكومة السورية. وتتمثل أبرز هذه الأهداف:
(*) تعويض تراجع المشروع الكردي المستقل: بعد تعثر مشروع حزب الاتحاد الديمقراطي -المرتبط أيديولوجيًا بحزب العمال الكردستاني- في تأسيس حكم كردي منفصل، وجدت "قسد" نفسها أمام ضرورة إعادة تموضع سياسي من خلال الانفتاح على المكونات المحلية وتوسيع قاعدة الشراكة.
(*) بناء اصطفاف محلي داعم: تسعى "قسد" إلى استقطاب القوى السياسية والعشائرية والدينية الفاعلة في شمال شرق سوريا، وتوحيدها خلف مشروع سياسي مشترك يعزز فكرة المصير الواحد، ويمنح شرعية داخلية لأي مخرجات تفاوضية مستقبلية.
(*) التعامل البراجماتي مع التهديد التركي: في ظل القناعة المتزايدة بأن أنقرة لن تقبل بوجود كيان كردي على حدودها، تتجه "قسد" إلى تبني خطاب جامع غير انفصالي يرتكز على شراكة مكونات المنطقة جميعًا، في محاولة لتقليل احتمالات التدخل التركي واستقطاب دعم دولي أوسع.
(*) تعزيز موقعها التفاوضي أمام دمشق: من خلال الظهور كممثل لتحالف واسع يشمل العشائر العربية والمسيحيين إلى جانب الأكراد، تسعى "قسد" إلى الترويج لنفسها كطرف يصعب تجاهله في صياغة مستقبل الدولة السورية، خاصة في ظل الأغلبية الديموغرافية العربية في الشرق السوري.
(*) إرسال رسائل طمأنة للخارج: تستهدف "قسد" التأكيد للولايات المتحدة وفرنسا أنها لا تزال طرفًا يمكن التعويل عليه في إدارة شمال وشرق سوريا، ولديها القدرة على التنسيق مع قوى داخل وخارج مناطقها لخلق توازن سياسي أمام دمشق.
(*) توسيع الحاضنة الشعبية: تعمل "قسد" على تسويق نموذجها السياسي القائم على اللامركزية، باعتباره الضامن الوحيد لحقوق مختلف المكونات، وتسعى إلى تعميم هذا النموذج من خلال فعاليات شعبية ومؤتمرات محلية.
(*) الحفاظ على المكتسبات الميدانية: تهدف هذه المؤتمرات في جوهرها إلى الدفاع عن المكاسب التي حققتها "قسد" منذ 2011، سواء على مستوى السيطرة الجغرافية أو الموارد الطبيعية، من خلال إعادة صياغة شرعية جديدة تعترف بهذه المكاسب ضمن الدولة السورية المستقبلية.
دلالات متعددة
تعكس تحركات "قسد" الأخيرة، لا سيما تنظيم المؤتمرات السياسية الجامعة للمكونات المحلية والدينية، مجموعة من الدلالات السياسية التي ترتبط ارتباطًا مباشرًا بتأثيرات متصاعدة على مسار التفاوض مع الحكومة السورية. وتتمثل في:
(*) السعي لبناء تكتل للأقليات في مواجهة دمشق: تُظهر "قسد" توجهًا واضحًا نحو تشكيل تحالف غير معلن من الأقليات (كردية، درزية، علوية، مسيحية) في محاولة لخلق توازن سياسي جديد أمام الحكومة السورية، في ظل غياب ضمانات دولية كافية لأي مشروع استقلالي أو انفصالي، وتُقرأ هذه التحركات كبديل عن خيار المواجهة المسلحة، خاصة بعد تجارب دموية كما حدث في الساحل والسويداء، والتي أوضحت محدودية الدعم الخارجي حال انفجار الوضع عسكريًا.
(*) تعثر التفاهمات الجوهرية مع دمشق: تشير خطوات "قسد" إلى عدم رضاها عن بطء أو فشل التقدم في ملفات التفاوض الجوهرية، مثل شكل انضمام قواتها إلى الجيش السوري (كفيلق موحد بدلًا من أفراد)، ومستقبل المؤسسات المدنية التابعة لها، والملكية على الموارد الطبيعية، وفي المقابل يُنظر إلى المؤتمرات كوسيلة ضغط تهدف إلى تعديل ميزان القوى التفاوضي وإبراز "قسد" كفاعل مستقل، لا مجرد طرف عسكري.
(*) الخشية من تكرار سيناريو السويداء: تعكس تحركات "قسد" محاولة استباقية لتفادي سيناريو أمني مشابه لما جرى في السويداء، والذي انتهى بسقوط عدد كبير من الضحايا وتفكك قوى الاحتجاج، ومن هنا يظهر السعي لتعزيز الغطاء الشعبي والسياسي من خلال المؤتمرات؛ لحماية "قسد" من التعامل الأمني الصارم الذي قد تنتهجه دمشق مستقبلًا.
(*) الحفاظ على الكيان الذاتي ضمن الدولة السورية: إن الهدف غير المعلن من تحركات "قسد" هو ترسيخ فكرة البقاء ككيان سياسي وإداري ضمن الدولة السورية الموحدة، دون خسارة المكتسبات التي تم تحقيقها منذ 2011، وعلى رأسها السيطرة الإدارية والأمنية على مناطق إستراتيجية غنية بالموارد، وهذا الطموح يصطدم بمركزية الدولة التي أكدها الإعلان الدستوري في مارس، ما يُنتج هوة تفاوضية تتسع مع كل فعالية سياسية تنظمها "قسد".
ختامًا: لتفادي انزلاق البلاد إلى مواجهة مفتوحة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، وتجنب سيناريوهات التقسيم، يظل المسار الأكثر واقعية واستدامة هو الاندماج التوافقي لـ"قسد" ضمن إطار الدولة السورية الموحدة، وهو مسار مشروط بتوفر إرادة سياسية حقيقية ومرونة تفاوضية لدى جميع الأطراف، كما يتطلب من النظام الانتقالي بقيادة أحمد الشرع استيعاب الهواجس الكردية التاريخية، التي نشأت عن عقود من التهميش والاضطهاد، عبر إجراءات قانونية واضحة وملزمة تضمن الحقوق الثقافية والسياسية وتدمجها صراحة في الدستور المستقبلي للبلاد، وسيكون تبني هذه الضمانات بصيغة قانونية وليس عبر تطمينات خطابية، كفيل ببناء عقد وطني جديد يعزز الانتماء المشترك، ويدعم وحدة سوريا أرضًا وشعبًا.