بعد ثلاثة أيام فقط من طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فكرة لقاء الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون، مرة أخرى، استجاب كيم بقبول دعوة أخرى، إذ يستعد للتوجه إلى العاصمة الصينية بكين، وسينضم إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جين بينج، في إظهار التحدي للنظام العالمي الذي يقوده الغرب.
وسيكون كيم، الذي لم يزر الصين منذ عام 2019، من بين 26 رئيس دولة يحضرون العرض العسكري الضخم، الذي تقيمه الصين بمناسبة يوم النصر الأسبوع المقبل، احتفالًا بالذكرى الثمانين لنهاية الحرب العالمية الثانية، كما يشير تقرير لصحيفة "واشنطن بوست".
وأعلن الزعيم الكوري الشمالي، مطلع 2021، خطة خمسية لبناء المزيد من الأسلحة ذات القدرة النووية. وهي قائمة أمنيات بدت بعيدة المنال آنذاك، فقد كان زعيم إحدى أفقر دول العالم يطمح إلى امتلاك قدرات حصرتها قلة من القوى العسكرية الكبرى.
لكن مع اقتراب الموعد النهائي المحدد له يناير المقبل، ينقل التقرير عن محللين إن كيم أحرز تقدمًا مفاجئًا ويمتلك ترسانة مطورة، فيما كان موفقًا في توقيته، إذ منحت حرب روسيا في أوكرانيا عهدًا جديدًا من الصداقة بين بيونج يانج وموسكو.
وتلفت "واشنطن بوست" إلى أن هذا يعني أن كيم لم يعد بحاجة إلى الولايات المتحدة كما كان الحال، خلال العقود التي استخدم فيها طموحاته النووية كورقة مساومة في المفاوضات مع واشنطن "وسيجعل هذا من الصعب للغاية على ترامب استعادة العلاقة التي حاول بناءها مع كيم في ولايته الأولى سعيًا للتوصل إلى اتفاق نزع السلاح النووي".
الرؤوس النووية
منذ أكثر من عقد من الزمان، تعمل كوريا الشمالية على صنع رؤوس نووية صغيرة بما يكفي لوضعها على رأس صاروخ. ومارس 2023، كشفت بيونج يانج عن "هواسان-31" - رأس نووي تكتيكي. كان قطره 18 بوصة فقط - ما يشير إلى أن كوريا الشمالية تُحرز تقدمًا في مجال التصغير، وفقًا للشبكة النووية المفتوحة "منظمة غير حكومية تُحلل المخاطر النووية".
لكن لم تُجرِّب كوريا الشمالية هذا الرأس الحربي الصغير بتفجيره. كما لم تُثبت إتقانها لتقنية إعادة الدخول الصعبة التي تُمكِّن الصاروخ المُزوَّد برأس حربي من تحمُّل الحرارة والاهتزازات الشديدة المُصاحبة للعودة إلى الغلاف الجوي للأرض وإيصال الرأس الحربي إلى الهدف.
أيضًا، ويريد "كيم" استكمال تطوير قنبلة هيدروجينية "ضخمة للغاية" أكثر تدميرًا من القنابل الذرية، لكن حالة هذا المشروع غير معروفة. وأجرى نظامه آخر تجربة نووية عام 2017، فجّر فيها ما زعم أنه قنبلة هيدروجينية.
وحسب التقارير، سُجّل الانفجار على أنه زلزال بقوة 6.3 درجة على مقياس ريختر، ما أضفى مصداقية على ادعاءات كوريا الشمالية.
ورغم أن بيونج يانج لم تمضي قدمًا في إجراء التجارب النووية، يبدو أن النظام واصل إنتاج اليورانيوم الصالح للاستخدام في صنع الأسلحة.
قدرات صاروخية
أحد المجالات التي أحرزت فيها كوريا الشمالية تقدمًا واضحًا وملموسًا هو مجال الصواريخ. فعلى مدار السنوات الأربع الماضية، أطلقت صواريخ باليستية عابرة للقارات قادرة على الوصول إلى البر الرئيسي للولايات المتحدة، إضافة إلى صواريخ "تكتيكية" تحلق لمسافات أقصر، ويمكن استخدامها لضرب كوريا الجنوبية واليابان القريبتين.
وعام 2023، أطلقت بنجاح قمرًا صناعيًا للاستطلاع العسكري إلى المدار بعد فشل اختبارين. والآن، يريد كيم تطوير مركبات إعادة الدخول المتعددة القابلة للاستهداف بشكل مستقل "MIRV"، التي من شأنها أن تسمح لصاروخ واحد بتوجيه العديد من الرؤوس الحربية النووية إلى أهداف مختلفة.
وتشير الصحيفة إلى أن "هذه التكنولوجيا صعبة، لكنها قد تُشكل عبئًا على أنظمة الدفاع الصاروخي للولايات المتحدة وحلفائها لأنها مضطرة للتعامل مع إطلاق الصواريخ على مواقع متعددة في نفس الوقت".
ومن المرجح أن تواصل كوريا الشمالية اختبار هذه التكنولوجيا، ويقول خبراء إن المساعدة من روسيا قد تؤدي إلى تسريع تقدمها بشكل كبير.
وفي مارس، كشفت بيونج يانج عن صور لهيكل ما زعمت أنه أول غواصة تعمل بالطاقة النووية قيد التشغيل، وهي إحدى أولويات كيم في إطار خطته الخمسية، لكن هذه الغواصة باهظة الثمن وتتطلب تكنولوجيا متطورة للغاية، بما في ذلك مفاعل نووي داخلها.
تنقل "واشنطن بوست" عن خبراء إن كوريا الشمالية على الأرجح لن تكون جاهزة لإنتاج مثل هذه الغواصة إلا بعد سنوات. في الواقع، لم تفعلها سوى 6 دول، إحداها روسيا، وأشار العديد من الخبراء إلى أن موسكو قد تكون مستعدة لتقديم المساعدة.
وهناك سابقة لمثل هذه المساعدة في ثمانينيات القرن العشرين، عندما ساعد الاتحاد السوفييتي الهند، التي أطلقت أول غواصة صاروخية باليستية تعمل بالطاقة النووية، عام 2009.
مركبات ومسيّرات
تُطوّر كوريا الشمالية أسلحة تفوق سرعة الصوت بخمسة أضعاف على الأقل، وتحلق على ارتفاعات منخفضة، ويصعب تتبعها واعتراضها. كما أنها أسهل بكثير في المناورة من الصواريخ الباليستية التقليدية.
ويتم تطوير هذه التكنولوجيا المتطورة من قبل القوى العسكرية الكبرى، بما في ذلك الصين وروسيا والولايات المتحدة. ومنذ عام 2021، اختبرت كوريا الشمالية العديد من الصواريخ التي زعمت أنها تفوق سرعة الصوت.
الخطوة التالية لكوريا الشمالية إطلاق مركبة انزلاقية تفوق سرعة الصوت (HGV) بنجاح، التي تتنافس حتى أقوى جيوش العالم على تحقيقها. وتتميز هذه المركبات بقدرة عالية على المناورة بعد إطلاقها من معززات الصواريخ، ما يجعل إسقاطها أصعب.
وفي يناير، اختبرت كوريا الشمالية صاروخ هواسونج-16 بي، نوع جديد من الصواريخ الباليستية متوسطة المدى، قادر على الوصول إلى جوام والفلبين.
وأعلنت بيونج يانج نجاحها في اختبار إطلاق الصاروخ، الذي حلق لمسافة تزيد على 1400 كيلومتر بسرعة تفوق سرعة الصوت بـ12 ضعفًا. ووصفت سول تقدير المسافة بأنه "مُضلِّل"، مع أن وزير دفاعها السابق صرّح بأن كوريا الشمالية تُحرز تقدمًا.
كما استعرض كيم بالفعل مجموعة متنوعة من مسيّرات الاستطلاع، التي تسمح لكوريا الشمالية بمراقبة وجمع معلومات حساسة عن القوات والمرافق الكورية الجنوبية.
في غضون ذلك، اكتسبت كوريا الشمالية خبرة في مواجهة الطائرات الأوكرانية المسيّرة. فهي لا تستخدمها للتجسس فحسب، بل تُنتج الآن طائرات قادرة على الضرب، بما في ذلك حمل قنابل موجهة بنظام تحديد المواقع العالمي (GPS).
أيضًا، تتعاون روسيا وكوريا الشمالية في إنتاج طائرة "جيران" مسيّرة، وهي النسخة الروسية من طائرة "شاهد" الانتحارية الإيرانية الصنع، وفقًا لوكالة الاستخبارات الأوكرانية.