كشفت شبكة "سي إن إن" الأمريكية، في تقرير استقصائي جديد، عن تفاصيل صادمة حول الهجوم الذي استهدف مجمع ناصر الطبي في قطاع غزة وُصف بأنه "مزدوج" أو "الضربة المزدوجة"، ما أسفر عن سقوط عشرات الضحايا من الشهداء والجرحى من الصحفيين والكوادر الطبية.
واعتمد التحقيق على صور أقمار صناعية عالية الدقة حصلت عليها الشبكة، إضافةً إلى تسجيلات اتصالات عسكرية مسرّبة، وأقوال شهود عيان داخل المستشفى. وتبيّن من خلال التحليل أنّ القصف لم يكن نتيجة خطأ أو إطلاق نار عشوائي، بل كان هجومًا دقيقًا استهدف البنية التحتية للمستشفى.
ماذا حدث؟
بحسب رواية الشبكة الأمريكية، فإن الهجوم وقع صباح الاثنين الماضي، حين أصابت قذيفة مدفعية إحدى شرفات مستشفى مجمع ناصر الطبي بقطاع غزة، ما أدى إلى استشهاد مصور وكالة "رويترز" حسام المصري، وعدد من العاملين في القطاع الصحي.
وبعد مرور تسع دقائق، وبينما كان المسعفون والصحفيون يحاولون إنقاذ الجرحى، استهدف القصف المكان ذاته مرتين بشكل متزامن تقريبًا، ما أدى إلى سقوط غالبية الضحايا.
وكشف تحقيق "سي إن إن" عن تفاصيل الضربة الثانية والثالثة، مؤكدًا أنهما شبه متزامنتين، ما يشير إلى تنسيق عسكري محكم، وليس مجرد استهداف عشوائي. وأكد خبراء أسلحة أن القذائف المستخدمة تُشبه ذخائر مدافع الدبابات الإسرائيلية من طراز M339، وهو ما يعزز فرضية تورط أكثر من دبابة في القصف في اللحظة نفسها.
اعتراف إسرائيلي
وأقر مصدر أمني إسرائيلي للشبكة الأمريكية بأن القوات تلقت إذنًا بضرب الكاميرا باستخدام طائرة مُسيرة، لكن الهجوم نُفذ باستخدام دبابات أطلقت قذيفتين، ما أدى إلى سقوط هذا العدد الكبير من الضحايا، في اعتراف ضمني بأن فرق الإنقاذ كانت ضمن المستهدفين.
وقال هيرست هانوم، الأستاذ الفخري للقانون الدولي بجامعة تافتس، لشبكة "سي إن إن" بشأن الضربات: "ينص القانون الإنساني على أنه لا يجوز إلحاق الأذى بالمدنيين إلا إذا كان ذلك ضروريًا للغاية لتحقيق هدف عسكري مشروع، وبالتالي هناك تناسب دائمًا".
وأكد "هانوم" أن قصف المستشفى للحصول على هذه الكاميرا كان استخدامًا مفرطًا للقوة - ليس مرة واحدة فقط، بل مرتين، مضيفًا: "أعتقد أن عبء إثبات أن هذا كان متناسبًا وأن هذه هي الطريقة الوحيدة التي تستطيع بها إسرائيل التعامل مع تهديد لجيشها الإسرائيلي، أمرٌ بعيد الاحتمال في أحسن الأحوال".
تضارب التصريحات
من جانبه، اعترف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالهجوم، واصفًا إياه بأنه "خطأ مأساوي"، في حين زعمت قوات الاحتلال أن القصف استهدف "كاميرا تابعة لحماس" كانت تُستخدم – حسب ادعائها – لتوجيه عمليات ضد الجيش الإسرائيلي. وأضافت أن التحقيق جارٍ لمعرفة "الثغرات" في آلية اتخاذ القرار.
لكن الرواية الرسمية واجهت تشكيكًا واسعًا، خاصة مع غياب أي تفسير عن سبب استهداف طواقم الإنقاذ والصحفيين الذين كانوا يقومون بواجبهم المهني، وهو ما اعتبره خبراء القانون الدولي "استخدامًا مفرطًا وغير متناسب للقوة".
جريمة حرب
وأدانت منظمات دولية عدة، بينها الأمم المتحدة و"أطباء بلا حدود" و"لجنة حماية الصحفيين"، الهجوم، معتبرةً أنه يمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الإنساني الدولي الذي يجرّم استهداف المدنيين والصحفيين وأطقم الإنقاذ.
ووصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش القصف بأنه "غير مقبول"، وطالب بتحقيق عاجل ومحاسبة المسؤولين.