على مدى ما يقرب من نصف قرن، اضطلعت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة "يونيفيل" بدوريات في المناطق الحدودية المضطربة التي تفصل إسرائيل عن جنوب لبنان، لكن مستقبلها الآن بات على المحك؛ إذ تواجه ضغوطًا لتفكيكها على خلفية الحرب بين جيش الاحتلال وجماعة حزب الله العام الماضي.
ويعقد مجلس الأمن الدولي، اليوم الخميس، اجتماعًا للتصويت على تمديد مهمتها حتى العام المقبل، إذ تنتهي المدة الحالية في 31 أغسطس الحالي، فيما يتم تمديد تفويضها بشكل دوري كل عام.
وأُنشئت القوة الدولية التي يشار إليها عالميًا باسم "القبعات الزرق" في مارس 1978، خلال الحرب الأهلية اللبنانية، لتأكيد انسحاب إسرائيل من لبنان، واستعادة الأمن والسلام الدوليين ومساعدة الحكومة اللبنانية على فرض سلطتها الفعالة في المنطقة، وجرى تعديل مهمتها مرتين نتيجة التطورات في عامي 1982 و2000، ويبلغ قوامها 10 آلاف جندي، بحسب موقع الأمم المتحدة.
ولطالما كانت العلاقات بين إسرائيل واليونيفيل متوترة، واتهمت الأمم المتحدة تل أبيب بإطلاق النار على قواتها لحفظ السلام في لبنان خلال مناسبات عديدة وإصابة العشرات منهم، ومع إضعاف حزب الله بشدة، تقول إسرائيل إن مهمة القوة الدولية عفا عليها الزمن، إلا أن المسؤولين اللبنانيين والأوروبيين يحذرون من أن الانسحاب قد يعرض وقف إطلاق النار الهش أصلًا والساري بين إسرائيل وحزب الله منذ نوفمبر 2024، إلى الخطر الواضح.
وقال العميد نيكولا ماندوليسي، أحد كبار قادة اليونيفيل، خلال دورية حديثة في المنطقة الحدودية بجنوب لبنان، حيث تحولت البلدات والقرى إلى ركام: "الوضع لا يزال هشًا".
ومع عدم وجود تفويض لاستخدام القوة إلا في حالة الدفاع عن النفس، دائمًا ما أثارت قوات حفظ السلام انتقادات على جانبي الحدود، إذ ينظر إليها أنصار حزب الله على أنهم دخلاء أجانب ومتعاطفون مع إسرائيل، وعلى الطرف الآخر، قبل الحرب الشاملة مع الجماعة اللبنانية، اعتُبرت كيانًا بلا أنياب غير قادر على كبح جماح الجماعة المسلحة.
وقال بول سالم، نائب رئيس المشاركة الدولية في معهد الشرق الأوسط، وهو مركز أبحاث في واشنطن، لـ"نيويورك تايمز": "مع مرور الوقت، لا ينبغي أن نحتاج إلى قوات دولية في لبنان، سواء كانت اليونيفيل أو غيرها"، مضيفًا: "لكن الدولة اللبنانية لم تمارس سيطرتها الكاملة على أراضيها لسنوات عديدة، ما يترك فراغًا إذا ما انسحبت بعثة حفظ السلام فجأة".
وبينما يناقش الدبلوماسيون مستقبل اليونيفيل في نيويورك، تنشط الطائرات المقاتلة الإسرائيلية في سماء جنوب لبنان بشكل روتيني، وتقصف ما تقول إنها أهداف لحزب الله.
وذكر دبلوماسيون لـ"رويترز" أنه من المقرر أن يعتمد المجلس المكون من 15 عضوًا، مشروع قرار فرنسي بعد التوصل إلى حل توافقي مع الولايات المتحدة، صاحبة حق النقض "فيتو"، التي قالت في اجتماع مغلق الأسبوع الماضي، إنه يتعين تمديد مهمة اليونيفيل لعام واحد فقط أخير، حتى نهاية عام 2026، ليبدأ بعد ذلك "انسحاب منظم وآمن" يستمر على مدى عام.
وبدأت الصراع الأخير بين جيش الاحتلال وحزب الله عقب الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة بعد 7 أكتوبر2023، مع إطلاق الجماعة اللبنانية الصواريخ على شمال إسرائيل دعمًا للقطاع الفلسطيني.
وبعد نحو عام من تبادل الضربات، توغل جيش الاحتلال في جنوب لبنان، واغتال جزءًا كبيرًا من قيادة حزب الله، إلى جانب الآلاف من المقاتلين والمدنيين، كما دمر مساحات شاسعة من لبنان، قبل أن يتم التوصل لاتفاق وقف إطلاق نار دخل حيز التنفيذ في نوفمبر 2024، لكن إسرائيل تواصل خرقه بصفة متكررة، زاعمة أن لبنان لم ينفذ بنوده.
وبموجب اتفاق وقف إطلاق النار، وافقت إسرائيل وحزب الله على الانسحاب من جنوب لبنان، ووعد الجيش اللبناني بالانتشار هناك بدعم من قوات حفظ السلام.
إسرائيل قالت إن حزب الله يحاول إعادة تجميع صفوفه، واتهمت لبنان بانتهاك الاتفاق من خلال عدم ضمان انسحاب الجماعة، واستغلت ذلك في احتلال عدد قليل من المواقع العسكرية داخل لبنان، وهو ما يمثل في حد ذاته انتهاكًا للاتفاق، ما دفع حزب الله إلى مقاومة الضغوط الدولية والمحلية المتزايدة لإلقاء سلاحه.
وتسعى الولايات المتحدة الآن إلى إنجاح خطة لنزع سلاح حزب الله، وتربط واشنطن الخطة بانسحاب إسرائيلي تدريجي من جنوب لبنان، بينما تروج في الوقت نفسه لإنشاء منطقة تنمية اقتصادية في جنوب لبنان بدعم دولي؛ بهدف تقليل حصول حزب الله على التمويل الإيراني.