حريق يلتهم محطة غاز قرب سانت بطرسبرج، وخزانات تخزين نفط محترقة في جنوب أوكرانيا. وهجمات بطائرات مسيّرة تغلق لفترة وجيزة أحد أطول خطوط أنابيب النفط بالعالم، الذي تستخدمه موسكو لتزويد أوروبا الوسطى.
وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، أنه في الوقت الذي يحاول فيه زعماء العالم استئناف محادثات السلام، تشتعل حرب الطاقة بين كييف وموسكو، إذ يحاول كل جانب إضعاف يد الجانب الآخر في التفاوض على إنهاء الحرب.
خلال هذا الشهر وحده، أعلن الجيش الأوكراني مسؤوليته عما لا يقل عن 10 هجمات على منشآت نفطية روسية، وأقر المسؤولون الروس بمسؤوليتهم عن نصفها. وأدت هذه الهجمات إلى توقف ما يصل سدس طاقة التكرير الروسية مؤقتًا، وفقًا للمحللين، في حين ارتفعت أسعار البنزين بشكل حاد.
من جانبها، صعّدت القوات الروسية هجماتها على منشآت الغاز والنفط الأوكرانية الرئيسية، ما أثار مخاوف من نقص في الإمدادات هذا الشتاء. وصرّح وزير الداخلية الأوكراني، إيهور كليمنكو، بأن 20 منشأة للطاقة، بما في ذلك محطات كهرباء فرعية ومصافي نفط ومحطات طاقة حرارية، تضررت "خلال الليالي العشر الماضية".
إجمالًا، أصبحت هذه الفترة من أشد فترات إضرابات الطاقة في الحرب. بعد فترة من الهدوء النسبي هذا الربيع، عادت حرب الطاقة، كما صرّح أندري زوبانين، رئيس اللجنة الفرعية لسياسة الغاز الطبيعي في البرلمان الأوكراني.
لطالما استهدف كلا الجانبين منشآت الطاقة لإلحاق أضرار بعيدة عن خط المواجهة، الذي غالبًا ما يكون متعثرًا، لكن مثل هذه الضربات لم تقوض جهود عدوهما الحربية. وهذا ما يدفعهما إلى الأمل في إثارة مشكلات سياسية واقتصادية لبعضهما البعض.
واستهدفت روسيا شبكة الكهرباء الأوكرانية مرارًا وتكرارًا، لاستنزاف معنويات المدنيين. واستخدمت أوكرانيا أسطولًا من الطائرات المسيّرة التي ازداد عددها وتطورها بشكل هائل، لضرب مصافي النفط الروسية في محاولة لخلق نقص بالإمدادات والحد من أحد مصادر الدخل الرئيسية للكرملين.
لكن الجولة الأخيرة من الهجمات تأتي في وقت تتنافس فيه كييف وموسكو على النفوذ، وسط جهود تقودها الولايات المتحدة لتكثيف محادثات السلام. ويقول خبراء الطاقة إن هجمات الطاقة تحقق هذا الهدف، إذ يحاول كل طرف إقناع الآخر بأنه لا يستطيع تحمل إطالة أمد الحرب، ولإشعار البيت الأبيض بأنه يتمتع بأفضلية، وأنه مستعد لمواصلة القتال.
قال أندريان بروكيب، خبير الطاقة في معهد كينان بواشنطن: "بالنسبة لأوكرانيا، من المهم الضغط على روسيا خلال محادثات السلام هذه. تمثل هذه الضربات أداة ضغط مهمة".
كانت الهجمات على أهداف الطاقة سمة مميزة لهذه الحرب. في السنوات الثلاث الأولى، استهدفت روسيا محطات الطاقة والمحطات الفرعية بشكل ممنهج، بهدف قطع الكهرباء التي تغذي اقتصاد أوكرانيا، وإغراق الأوكرانيين في الظلام لكسر معنوياتهم.
ولم تبدأ أوكرانيا بمهاجمة مصافي النفط إلا في أوائل2024، أملًا في تقليص أرباح موسكو من صادرات المنتجات النفطية.
وتسببت بعض هذه الهجمات في أضرار جسيمة، بما في ذلك انقطاعات واسعة النطاق للتيار الكهربائي بأوكرانيا، لكنها لم تجبر أيًا من الطرفين على التنازل عن أهدافه الحربية. بل أثبتت أنها كانت ضارة بما يكفي لدفع كلا البلدين إلى الموافقة، مارس الماضي، على وقف مؤقت للضربات لقطاع الطاقة خلال الجهود المبكرة التي بذلتها إدارة ترامب للتوسط في اتفاق سلام.
كما أشاد البيت الأبيض بهدنة الطاقة، معتبرًا إياها إجراء لبناء الثقة على طريق السلام. لكن مع تكثيف المفاوضات هذا الصيف، جدد الجانبان الضربات. وقال سيرجي فاكولينكو، خبير الطاقة في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، وهي مجموعة بحثية: "يمكن القول بالتأكيد إنه لا توجد هدنة من هذا النوع في الوقت الحالي".
وبدأت روسيا بضرب مصفاة نفط رئيسية في كريمنشوك، منتصف يونيو الماضي، مسببة أضرارًا جسيمة. كما استهدفت موسكو منشآت غاز أوكرانية، وهي أهداف تجنبتها خلال السنوات الثلاث الأولى من الحرب، عندما كانت خطوط الأنابيب عبر أوكرانيا لا تزال تُستخدم لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا.
يُعد الغاز موردًا حيويًا في أوكرانيا، إذ يغذي معظم أنظمة التدفئة المركزية في المباني السكنية بجميع أنحاء البلاد. كما يشكل أكثر من نصف إنتاج الأسمدة والمركبات الكيميائية، وحال حدوث نقص سيؤدي ذلك إلى إغلاق المصانع، وبرد المنازل، واضطرابات اجتماعية.
ويقدر أن الهجمات كلفت أوكرانيا نحو مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، أي نحو 5% من احتياجاتها السنوية، ما أجبر الحكومة على البحث بشكل عاجل عن التمويل من الشركاء الأوروبيين لشراء واستيراد إمدادات الغاز قبل موسم التدفئة في الشتاء.
وهاجمت طائرات أوكرانية مسيّرة بعيدة المدى مصافي نفط في جنوب غرب ووسط روسيا، ما أدى إلى اندلاع حرائق واسعة النطاق وتعطيل العمليات في عدة منشآت. ومن بين الأهداف مصفاة "لوك أويل" العملاقة في فولجوجراد، الأكبر في جنوب روسيا وواحدة من أكبر عشر مصفاة نفط بالبلاد.
وأفادت وكالة "رويترز"، بأن الضربات الأخيرة عطلت 17% من طاقة التكرير في روسيا. ويشير محللون إلى أن الإصلاحات تستغرق وقتًا أطول من المعتاد، لأن العقوبات تمنع الغرب من بيع مكونات رئيسية لروسيا.
وتقول أوكرانيا منذ فترة طويلة إن ضرباتها على مصافي التكرير لها 3 أهداف، وهي تعطيل إمدادات الوقود الروسية للدبابات والطائرات، والحد من أرباح موسكو من صادرات النفط، وتعطيل الحياة اليومية للروس العاديين.
وكان الهدف الأوكراني الجديد هو قطع إمدادات الوقود الروسية عن أوروبا الوسطى. في الأسبوع الماضي، قصفت أوكرانيا خط أنابيب دروجبا، الذي يمد المجر وسلوفاكيا بالنفط الخام الروسي.