بات الاضطراب يلوّن صناديق الاقتراع في الإكوادور، التي اجتاحتها موجات عنف غير مسبوقة؛ بسبب تمدّد عصابات المخدرات، لتقف اليوم عند مفترق طرق بعد إعلان الرئيس المحافظ دانييل نوبوا فوزه في الانتخابات، والذي تطالب منافسته، المحامية اليسارية لويزا جونزاليس، بإعادة فرز الأصوات، مندّدة بـ"السرقة الديمقراطية".
ووسط انقسام حاد وأزمات متشابكة، من الأمن المهتز إلى الاقتصاد المتعثر، تقف الإكوادور على صفيح انتخابي ساخن، وتحبس أنفاسها بانتظار ما سيؤول إليه النزاع.
نتائج أولية ونزاع انتخابي
أعلنت رئيسة المجلس الوطني للانتخابات، ديانا أتاماننت، في مؤتمر صحفي مساء الأحد، أن الاتجاه الواضح في نتائج الاقتراع بعد فرز 90% من الأصوات لا رجعة فيه، مؤكدةً فوز الرئيس دانييل نوبوا، الذي كان يسعى للحصول على ولاية كاملة لأربع سنوات، وذلك بعد أن شغل المنصب سابقًا عقب فوزه في انتخابات مبكرة عام 2023.
وبحسب ما نقلته شبكة CNN الأمريكية، حسم نوبوا السباق الرئاسي بفارق أكثر من مليون صوت، وفقًا لتصريحاته خلال تجمع شعبي في مدينة أولون الساحلية، حيث قال: "كان هذا اليوم تاريخيًا، وكان هذا الفوز تاريخيًا أيضًا، فوز بأكثر من 10 نقاط، لا شك في هوية الفائز".
لكن هذه النتيجة لم تمر مرور الكرام، إذ خرجت منافسته الأبرز، المحامية اليسارية لويزا جونزاليس، لتعلن رفضها الكامل لنتائج الانتخابات، وتطالب بإعادة فرز الأصوات وفتح صناديق الاقتراع.
وقالت أمام أنصارها في العاصمة كيتو، وفقًا لما نقلته وكالة "رويترز": "باسم الشعب الذي نمثله، لا نعترف بالنتائج التي قدمها المجلس الانتخابي الوطني"، وتابعت بغضب: "أرفض تصديق أن شعبًا يفضل الكذب على الحقيقة، والعنف على السلام والوحدة".
نوبوا يواجه العاصفة
الواقع السياسي في الإكوادور لم يعد بمعزل عن تصاعد العنف المرتبط بالعصابات الإجرامية وتجارة المخدرات، وهو ما جعل من ملف الأمن الشغل الشاغل للناخبين، وقد أعلن نوبوا منذ بداية حملته عن التزامه بمواجهة الجريمة بكل حزم، مستخدمًا خطابًا عنيفًا وشعار "الإكوادور الجديدة"، واضعًا الأمن والاقتصاد في مقدمة أولوياته.
وفي هذا السياق، فرض نوبوا البالغ من العمر 37 عامًا حالات طوارئ متكررة، ونشر وحدات عسكرية في أنحاء البلاد، وبدأ بناء سجن جديد شديد الحراسة بعد فرار أحد زعماء الجريمة المنظمة العام الماضي.
وعلى الرغم من هذه الإجراءات، تشير بيانات الحكومة إلى بداية عام دموية، حيث تجاوز عدد جرائم القتل الألف جريمة، وهو ما وضع الإكوادور في صدارة دول أمريكا اللاتينية من حيث معدلات القتل، بحسب مركز أبحاث الجريمة المنظمة "إنسايت كرايم".
تحالفات أمنية مثيرة للجدل
لم يكتف نوبوا بالإجراءات الداخلية، بل سعى لبناء تحالفات دولية لتعزيز جهوده الأمنية، وعلى رأسها التعاون مع الولايات المتحدة، وفي مارس الماضي، أعلن نوبوا عن "تحالف استراتيجي" لمكافحة الجريمة المنظمة مع إريك برينس، مؤسس شركة "بلاك ووتر"، وهي شركة دفاعية خاصة أثارت الكثير من الجدل بسبب سجلها في مناطق النزاع.
وكشفت CNN عن وثائق تفيد بأن حكومة نوبوا تستعد لاستضافة قوات أمريكية في قاعدة بحرية جديدة على الساحل الإكوادوري، كما ألمح إلى احتمال رفع الحظر الدستوري المفروض منذ عام 2008 على وجود قواعد عسكرية أجنبية داخل أراضي البلاد، ما أثار ردود فعل متباينة داخل الساحة السياسية.
في المقابل، قدّمت جونزاليس، وهي وريثة سياسية للرئيس اليساري السابق رافائيل كوريا، نموذجًا بديلًا يقوم على "الوقاية والحد من العنف والتعايش"، بحسب ما وصفت حملتها الانتخابية، وكانت قد اقترحت إعادة تأسيس وزارة العدل، التي أُلغيت في عام 2018، كما أعلنت نيتها تفكيك الوكالة الحكومية المسؤولة عن إدارة السجون، والتي تُتّهم بسوء الإدارة وتفاقم أوضاع النزلاء.
وفي خطابها، أكدت جونزاليس أن حزبها يمثل الأمل والتغيير، قائلة: "نوبوا يمثل الخوف، ونحن نمثل المستقبل".
أزمة طاقة وأمل اقتصادي
لا يقتصر التحدي على الأمن فحسب، بل تواجه الإكوادور أزمة طاقة خانقة تسببت في انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي، وهو ما جعل من إحياء الاقتصاد أحد وعود نوبوا الكبرى في حملته، لكن المشهد الاقتصادي لا يزال معقدًا، حيث تعاني البلاد من عبء الديون، وتراجع الاستثمار، وارتفاع نسبة الفقر.
وخلال يوم الاقتراع، نشرت الحكومة حوالي 45 ألف جندي في جميع أنحاء البلاد لتأمين سير العملية الانتخابية، كما فرضت السلطات حظرًا على تصوير بطاقات الاقتراع، مهددة المخالفين بغرامات مالية تصل إلى 32 ألف دولار، وذلك بعد تقارير أفادت في الجولة الأولى من التصويت بأن بعض الجماعات الإجرامية أجبرت الناخبين على التصويت لمرشحين محددين وتقديم صور لإثبات ذلك.
بلاد على شفا انقسام
الانتخابات الأخيرة كانت أكثر من مجرد تنافس ديمقراطي بين مرشحين، بل كانت اختبارًا كبيرًا لهوية الإكوادور المستقبلية، بين نموذج أمني صارم وآخر اجتماعي إصلاحي، بين خطاب الحرب على الجريمة، وصوت الإصلاح المؤسسي.
ومع تصاعد الجدل حول نتائج الانتخابات، واستمرار جونزاليس في رفضها، يبدو أن المرحلة المقبلة ستشهد مواجهة قانونية وسياسية قد تطيل أمد الأزمة، فيما يبقى الشارع الإكوادوري ممزقًا بين القبول بنتائج صندوق الاقتراع أو الانجرار إلى فوضى قد تكون مُكلفة.