اتساقًا مع الموقف الفرنسي الرسمي الرافض لمقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن تهجير الفلسطينيين من غزة، والداعم لحل الدولتين، جاء الموقف غير الرسمي ليعبّر أيضًا عن ذلك الرفض، ويعتبر ما يحدث بمثابة إبادة جماعية، وانتهاك للقوانين والأعراف الدولية، وتقويض لحل الدولتين.
مؤشرات داعمة
هناك العديد من المؤشرات التي تُظهر الموقف الفرنسي على المستوى غير الرسمي لمساندة القضية الفلسطينية أو رفض مسألة تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، وهو ما يمكن الإشارة إليه على النحو التالي:
(*) المظاهرات الطلابية: شكّلت المظاهرات الطلابية التي اجتاحت العديد من الجامعات الأمريكية والأوروبية رفضًا لمقترح التهجير الذي طرحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث نظّم عدد من طلاب الجامعات الفرنسية فعاليات متعددة ما بين مظاهرات واعتصامات للمطالبة بوقف إطلاق النار في غزة منها معهد العلوم السياسية بباريس، ومعهد الدراسات السياسية في ليل، ومعهد الصحافة في ليل، وجامعة جرونوبل، وكذلك طلاب جامعة السوربون.
ففي مطلع مايو 2024 اعتصم عدد من طلاب جامعة السوربون في مدرجات الجامعة لمساندة القضية الفلسطينية، مطالبين إدارة الجامعة بقطع جميع علاقاتها الأكاديمية بمثيلاتها الإسرائيلية. كما هتف الطلاب المتظاهرون بشعارات تتهم الغرب بخيانة قيم العدل والديمقراطية والتورط مع إسرائيل في جرائم الإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية.
(*) تضامن أحزاب فرنسية: تتضامن العديد من الأحزاب الفرنسية مع القضية الفلسطينية، وفي مقدمتها الأحزاب اليسارية مثل حزب فرنسا الأبية، الذي يدعو إلى وقف إطلاق النار في غزة، وإدخال المساعدات الإنسانية، ويساند عبر ممثليه داخل البرلمان الفرنسي مسألة حل الدولتين، ويرفض مخطط التهجير، ففي 17 فبراير 2025 أكد عضو البرلمان الفرنسي عن حزب فرنسا الأبية إريك كوكريل عبر شاشة "القاهرة الإخبارية" أن مخطط تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة يعد جريمة ضد الإنسانية، ويخالف القانون الدولي ويهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية، معتبرًا أن سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تقوم على التحالف الاستراتيجي مع إسرائيل. كما اقترح البرلماني الفرنسي تنفيذ تحرك دبلوماسي منسق داخل مجلس الأمن، وإصدار قرارات تعارض تهجير الفلسطينيين ومن ذلك التنسيق بين البرلمان الفرنسي، والبرلمانات الدولية، وتنظيم مؤتمرات عديدة لوقف مخططات التهجير.
(*) الصحف والمواقع الفرنسية: انتقدت أغلب الصحف والمواقع الفرنسية مقترح ترامب حول تهجير الفلسطينيين وعدّوه بمثابة تطهير عرقي. فعلى سبيل المثال وعقب طرح ترامب للمقترح تناولت ثلاثة من المواقع الفرنسية الكبيرة المقترح تحت عناوين مثيرة، فقالت "ليبراسيون" إن المستوطن ترامب يثير مخاوف عالمية، ورأي موقع "ميديا بارت"، أن ترامب يدعو إلى التطهير العرقي في غزة. في حين تساءلت مجلة "لوبس": لماذا يدفع ترامب بفكرة جديدة شنيعة؟
هذا التناول يعكس اتجاهًا للرأي العام الفرنسي يرفض مقترح ترامب لتهجير الفلسطينيين من غزة، وهو الاتجاه الذي يتبلور بشكل واضح لدى الفرنسيين من أصول عربية وإسلامية.
فرص داعمة
إذا كان الموقف الفرنسي غير الرسمي رافضًا لمقترح التهجير، فإن ثمة فرص يمكن أن يسهم بها المجتمع الفرنسي بشكل عام على أرض الواقع، لترجمة تلك المواقف الرافضة إلى سياسات واقعية، وأهمها:
(&) تبنى حملات إعلامية لإعادة الإعمار في غزة: أدت الحرب الإسرائيلية على غزة إلى انهيار البنية الأساسية للقطاع، حيث تشير التقديرات إلى تدمير 70% من مباني القطاع. كما تشير تقارير الأمم المتحدة التي صدرت مطلع فبراير 2025 إلى أن إعادة إعمار قطاع غزة الذي دمرته الحرب بين إسرائيل وحماس تتطلب أكثر من 53 مليار دولار، بينها أكثر من 20 مليار دولار على مدى الأعوام الثلاثة الأولى، وهي الأوضاع التي تحتاج لتكاتف المجتمع الدولي، وفي مقدمتها الدول الكبرى بحيث يتم إعادة الإعمار وتقديم المساعدات الإنسانية للفلسطينيين في غزة. وعلى ذلك من الممكن أن تتبنى فرنسا الرسمية وغير الرسمية سلسلة من الحملات الإعلامية داخل أوروبا، لمساندة إعادة إعمار قطاع غزة.
(&) تشكيل رأى عام فرنسي داعم لحل الدولتين: يشكّل حل الدولتين المسار الأنسب لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وهو المسار الذي يلقى دعمًا من معظم الدول العربية، والمجتمع الدولي بشكل عام. فقد أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 26 نوفمبر 2012 قرارًا بالموافقة على منح فلسطين صفة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة، ودعا مجلس الأمن إلى النظر بشكل إيجابي في قبول طلب دولة فلسطين دولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة. وإذا كانت ثمة رغبة عربية في أن يتبنى المجتمع الدولي والدول الكبرى مبدأ "حل الدولتين" لحلحلة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فإن المجتمع الفرنسي بنخبته من أكاديميين وكتّاب وصحفيين وحزبيين مؤيدين للحق الفلسطيني من الممكن أن يسهموا في الترويج الإعلامى لمبدأ حل الدولتين باعتباره الخيار الأنسب لتجنب تأزيم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وإجمالًا يتسم الموقف الفرنسي الرسمي وغير الرسمي بالتوافق على رفض مقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول تهجير الفلسطينيين من غزة، الأمر الذي يحتاج إلى تحول المواقف إلى سياسات على أرض الواقع تساند إعادة إعمار قطاع غزة، وإدخال المساعدات الإنسانية للفلسطينيين، فضلًا عن أهمية بلورة رأي عام فرنسي مساند لحل الدولتين، باعتباره الخيار الأنسب لحلحلة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.