في السابع من أكتوبر، تعرّضت قاعدة "ناحال عوز" العسكرية الإسرائيلية لهجوم مباغت من قِبل كتائب تابعة لحركة حماس الفلسطينية، إذ كشف الهجوم، وفق تحقيق إسرائيلي، عن نقاط ضعف خطيرة في منظومة الدفاع الإسرائيلية.
وحسب صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، لم يكن هذا الهجوم عشوائيًا، بل كان نتيجة تخطيط دقيق واستغلال حماس لنقاط الضعف في القاعدة العسكرية الإسرائيلية، التي تتمثل في عدم الجاهزية العسكرية، وانعدام الحراسة الفعّالة، وغياب الإجراءات الاحترازية الكافية.
وفي تحقيقات أجراها الجيش الإسرائيلي، ذكرت أن المعركة، التي قُتل فيها 53 جنديًا و اقتيد عشرة آخرين لغزة، كشفت عن قيادة فاسدة في الجيش، وسلسلة من الأخطاء الفادحة التي ساهمت في سقوط القاعدة بسرعة كبيرة، وسط فوضى وتخبط في صفوف الجيش الإسرائيلي.
تحذيرات قبل الهجوم
في بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، أُعلن للمرة الأولى أن الضابط المسؤول عن الاستخبارات في السكرتارية العسكرية لرئيس الوزراء تلقى ليلة السابع من أكتوبر رسالة "تضمنت إشارات إلى تحركات غير اعتيادية لحماس".
ومع ذلك، أكد البيان أن الرسالة أشارت أيضًا إلى أن "حماس تتصرف كالمعتاد"، وأن قائد المنطقة الجنوبية الإسرائيلية قرر عقد اجتماع لتقييم الوضع في صباح اليوم التالي، ما دفع الضابط إلى عدم إيقاظ نتنياهو.
هذا الاعتراف يتناقض مع الموقف الرسمي السابق لمكتب رئيس الوزراء، الذي ادعى لفترة طويلة أنه لم تصله أي معلومات استخباراتية تشير إلى هجوم محتمل خلال الساعات الأربع والعشرين التي سبقت السابع من أكتوبر.
نقاط ضعف مكشوفة
تقع قاعدة "ناحال عوز" الإسرائيلية على بُعد 850 مترًا فقط من حدود قطاع غزة، وهي من أقرب القواعد العسكرية الإسرائيلية إلى القطاع، التي كانت تفتقر إلى الحد الأدنى من الاستعداد الدفاعي. وفقًا لـ"يديعوت أحرونوت"، كانت النقاط الدفاعية المواجهة لمنطقة الشجاعية فارغة تمامًا، كما لم تكن الدبابات في حالة تأهب، فيما اقتصر الحرس على جندي واحد فقط، وهو مجند شاب لم يتجاوز السنة الثالثة في الخدمة العسكرية.
وخلال الحرب، كشفت الاستخبارات الإسرائيلية عن وثائق سرية ضُبِطت مع مقاتلي حماس، تضمنت تفاصيل دقيقة عن قاعدة "ناحال عوز"، هذه الوثائق، التي وصفها مسؤولون في الجيش الإسرائيلي بأنها "ملف عملياتي لوحدة نخبة"، شملت خرائط القاعدة، ومواقع الغرف، ومراكز القيادة، وتوزيع الأسلحة، ونقاط الضعف في الجدار الغربي، إضافة إلى ثغرات في السياج الأمني استغلها الفلسطينيون لاختراق القاعدة.
غياب الحراسة وانعدام التدريبات
أظهر التحقيق أن القاعدة لم تكن مجهزة بأي خنادق دفاعية أو عوائق تمنع الاقتحام، إضافة إلى ذلك، كشفت الصحيفة أن الجيش الإسرائيلي لم يكن يطبق أي بروتوكولات صارمة داخل القاعدة، حيث لم تُجر تدريبات عسكرية دورية، ولم تكن هناك عروض أو إحاطات عسكرية يومية، وكانت حماس تدرك تمامًا هذا التراخي، حيث قامت ببناء نموذج مشابه للقاعدة داخل غزة، واستخدمته لتدريب مقاتليها على كيفية اجتياحها بسرعة.
أسفر الهجوم عن مقتل 53 جنديًا إسرائيليًا داخل القاعدة، منهم 22 جنديًا من وحدات الدعم القتالي، و31 مقاتلًا، بينهم 19 من لواء "جولاني"، كما تم اقتياد 10 جنود آخرين إلى غزة، وأظهر التحقيق أن القاعدة سقطت خلال نصف ساعة فقط، إذ استغل مقاتلو حماس الفراغ الأمني للسيطرة الكاملة على المنشآت العسكرية.
توثيق مشاهد من الهجوم
استغرق التحقيق العسكري الإسرائيلي أكثر من عشرة أشهر، واستخدم الفريق البحثي تسجيلات كاميرات المراقبة، وأشرطة الفيديو التي التقطها مقاتلو حماس بكاميرات "GoPro"، إضافة إلى صور من طائرات استطلاع تابعة للحركة. إحدى هذه اللقطات امتدت لساعة وخمسين دقيقة، وثّقت لحظة انطلاق مقاتلي حماس من قطاع غزة، مرورًا باقتحام القاعدة، وانتهاءً بالانسحاب إلى غزة بعد تنفيذ الهجوم.
وخلص التحقيق إلى توصيات صارمة بضرورة محاسبة القادة المسؤولين عن فشل الدفاع عن القاعدة، إلا أن رئيس الأركان الإسرائيلي آنذاك، "هرتسلي هاليفي"، قرر تأجيل أي قرارات تأديبية لخلفه "إيال زامير"، وهو ما أدى إلى بقاء القادة العسكريين في مواقعهم رغم الأخطاء الكارثية.
15 دقيقة للسيطرة على القاعدة
وفقًا لوثائق العمليات التي استولت عليها الاستخبارات الإسرائيلية، خططت حماس للسيطرة على القاعدة خلال 15 دقيقة فقط، وهو الوقت الذي تستغرقه أي تعزيزات عسكرية للوصول إلى الموقع.
التحقيق كشف أن مقاتلي حماس درسوا تحركات الجيش الإسرائيلي بدقة، وتوصلوا إلى أن تعزيزات الدبابات ستحتاج إلى ربع ساعة للوصول إلى القاعدة، مما منحهم نافذة زمنية كافية لتنفيذ هجومهم دون مقاومة تُذكر.
في الليلة التي سبقت الهجوم، رصدت الاستخبارات الإسرائيلية نشاطًا غير اعتيادي على السياج الحدودي، لكن لم يتم التعامل مع الأمر بجدية كافية، التحقيق أظهر أن الجيش الإسرائيلي لم يبلغ القوات الميدانية بهذه المعلومات، خوفًا من "حرق مصادر الاستخبارات"، وهو ما أدى إلى مفاجأة تامة عند وقوع الهجوم.
التقصير في التدريب
كشف التقرير أيضًا أن الجيش الإسرائيلي لم يُجر تدريبات مكثفة على سيناريو هجوم على قاعدة عسكرية، رغم حساسية موقع "ناحال عوز"، ورغم تدريبات محدودة جرت قبل أربعة أشهر فقط من الهجوم، إلا أن هذه التدريبات لم تشمل أي محاكاة لاقتحام قاعدة عسكرية.
كما أن قوة الاستعداد، التي كان من المفترض أن تتولى الدفاع عن القاعدة، تألفت فقط من أربعة جنود، ما جعلها غير قادرة على التصدي لمئات المقاتلين الذين اجتاحوا الموقع.
خلص التحقيق إلى أن الجيش الإسرائيلي شهد تغيرًا جذريًا في طريقة تعامله مع التهديدات الأمنية خلال السنوات الأخيرة، حيث أُعطيت الأولوية لراحة الجنود على حساب الجاهزية القتالية، كما أن إجراءات التأهب، التي كانت تُفرض عند الفجر في الماضي، تقلصت إلى مجرد "ساعة تأهب"، يتم خلالها توزيع المهام بين عدد محدود من الجنود، ما جعل القاعدة عرضة لأي هجوم مباغت.
نوم نتنياهو
بحسب تحقيق أجرته هيئة الأركان العامة في الجيش الإسرائيلي تلقت أجهزة الاستخبارات العسكرية والقيادة الجنوبية الإسرائيلية خلال ليلة الهجوم خمس إشارات على الأقل تشير إلى احتمال وقوع هجوم من جانب حماس، شملت تفعيل عشرات بطاقات الهواتف المحمولة في قطاع غزة، ورصد تحركات غير عادية في منظومة إطلاق الصواريخ، ومؤشرات أخرى غير واضحة مثيرة للقلق.
وفي تطور آخر، شن يائير نتنياهو، نجل رئيس الوزراء الإسرائيلي، هجومًا حادًا على المسؤولين في المؤسسة الأمنية، متهمًا إياهم بالتقصير في إبلاغ والده بالمعلومات المهمة في الوقت المناسب.
وكتب "يائير" على منصة "إكس" أن المسؤولين الأمنيين كان بإمكانهم التواصل مع نتنياهو مباشرة عبر عدة وسائل، منها هاتفه المحمول، والخط الأرضي في منزله، والهاتف الأحمر الموجود بجانب سريره، مضيفًا أنه لو تم إيقاظ والده ليلة السابع من أكتوبر "لما تعرض أي مدني أو جندي للقتل أو الاختطاف".