المولوية رقصة صوفية ظهرت منذ أكثر من 800 عام على يد الزاهد الشيخ جلال الدين الرومي، التي تحولت بعد ذلك إلى "فلكلور" عالمي، وعلى هذا المنوال سارت فرقة الفنان الدكتور عامر التوني تحت مسمى "المولوية المصرية" التي أطلقها عام 1994، لتعلن الفرقة عن خصوصيتها التراثية عما تقدمه باقي الفرق المولوية الأخرى في تركيا أو الموجودة في أي بقعة من بقاع الأرض بهدف إلقاء الضوء على التراث المولوي المصري ونشره في مختلف دول العالم تأكيدًا على خصوصية الثقافة والفنون المصرية وهويتها المميزة.
الظهور الخير لعامر التوني
رحيل عامر التونى عن عالمنا، اليوم الأحد، كان فاجعة اهتز لها عرش الفنون المصرية، وخصوصًا أنه كان مع جمهوره ومحبيه خلال فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب منذ أيام قليلة، وكأنه كان الوداع الأخير، ليرحل بجسده لكن تظل بصمته في عالم الفن الصوفي خالدة إلى الأبد.
خلال حفلته الأخيرة ضمن فعاليات معرض القاهرة للكتاب بدورته الـ56، أضاءت فرقة المولوية أجواء المسرح بأداء روحاني مزج بين الإنشاد الصوفي والدوران المولوي، مقدمين للجمهور تجربة فنية روحية مميزة تعكس جوهر التصوف الإسلامي.
الجمهور يودع عامر التونى
واستطاع عامر التونى خلال حفله الأخير أن يجذب عددًا غفيرًا من الجمهور الذي تفاعل مع الأناشيد الصوفية الخالدة التي قدمتها الفرقة، ومن أبرزها "لأجل النبي"، "لاموني يا رسول الله"، "والله ما طلعت شمس ولا غربت"، "يا طارق الباب"، "كل شيء في الكون مخلوق يصلي عليه"، و"طلع البدر علينا".
ولم يقتصر العرض على الأداء الصوتي فقط، بل تخللته عروض التنورة المصرية المميزة، حيث تألق الراقصون بحركاتهم الدائرية التي تعكس فلسفة السمو الروحي، وسط أجواء مفعمة بالروحانية، كما زادت الإيقاعات المتنوعة من حماس الجمهور، الذي أبدى إعجابه الكبير بالعرض وتفاعل معه بتصفيق حار وإشادة واسعة.
قصة تكوين فرقة المولوية
وحاول عامر التونى أن يمد يده في الأعماق عبر التاريخ لاستخراج تراث المولوية في مصر فلجأ إلى تلك الحقبة التي كانت تحيا فيها المولوية في مصر منذ دخول الفتح العثمانى حتى ثورة 1952 متتبعًا الآثار الموسيقية من الموشحات والابتهالات والمديح الموروثة، عن أكبر المشايخ.
ومن خلال ذلك استعراض خلال ما قدمه بفرقته كل الاشكال الاحتفالية للطرق الصوفية في مصر أمثال الطريقة الميرغنية والشاذلية والرفاعية وغيرهم من الطرق الصوفية التي تستخدم القوالب الموسيقية الدينية المختلفة ومن خلال الدراسات البحثية في المعاهد والجامعات والمقالات والكتب التي تناولت المولوية والأشكال الأدائية لها.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل استعان عامر التونى بالمؤسسات الثقافية التي تهتم بتوثيق وحفظ التراث وساعده في ذلك دراساته العلمية بأكاديمية الفنون بالهرم - القاهرة - من جمع خيوط بالية تكون تاريخ المولوية في مصر كما كان للأثر الصوفي بداخلة بشكل كبير نظرًا لنشاته في ريف الصعيد والتي تنتشر به الطرق الصوفية.
كل ذلك جعل عامر التونى يتسلح بالثقافة الحقيقية حتى يكون قد فهم الطرق الصوفية لينطلق من خلال بوابته للنظر إلى تراث المولوية العالمي بداية من تركيا إلى الهند والبوسنة وغيرهم من البلدان التي تعتمد على الفن المولوى.
كل هذا ولم يتشبع عامر التونى بما اكتسبه وتعلمه واطلع عليه بل أراد أن يزيد من معرفته فوجه بصلته لتتبع سير الصالحين والأنبياء والرسل منذ بدء الخليقة، ومن خلاصة بحثه استطاع "التونى" أن يطلق برنامجه الفكري في عالم الإنشاد الديني من خلال فرقته المولوية المصرية.. لنسدل ستار الوداع على حياة الفنان عامر التونى.