في منعطف حاسم للمشهد السياسي السريلانكي، تعرّضت حكومة الرئيس أنورا كومارا ديساناياكي لأول اختبار جدي منذ توليها السلطة، إثر استقالة رئيس البرلمان أسوكا رانوالا، في ظل اتهامات بتزوير شهادته الأكاديمية.
تسلّط هذه القضية الضوء على ظاهرة تزوير المؤهلات التعليمية، التي لا تقتصر على سريلانكا وحدها بل تمتد إلى دول جنوب آسيا وأبعد منها، ما يعكس أبعادًا اجتماعية واقتصادية عميقة لهذه الأزمة العالمية.
استقالة تهز البرلمان
في خطوة غير مسبوقة في تاريخ البرلمان السريلانكي، أعلن رئيس البرلمان أسوكا رانوالا استقالته، أمس السبت، وهو ما أكده الرئيس أنورا كومارا ديساناياكي لاحقًا، وقد جاءت الاستقالة بعد جدل واسع حول مؤهلات "رانوالا" الأكاديمية، خاصة ما يتعلق بحصوله على شهادة الدكتوراة، وهو ما أثارته بوابة "أداديرانا" الإخبارية السريلانكية وصحيفة "ديلي ميرور".
وأكد الرئيس السابق للبرلمان السريلانكي "تشامال راجاباكسا" أن المؤهلات التعليمية لرئيس البرلمان لا تشكل أزمة حقيقية إلا إذا زُعم زورًا الحصول عليها، وأشار إلى أن استقالة رانوالا كانت خطوة جديرة بالثناء لأنها أظهرت مسؤولية تجاه الجدل الدائر.
أبعاد سياسية واجتماعية
لم تقف القضية عند رانوالا، بل امتدت لتشمل وزير التنمية الحضرية والإسكان أنورا كاروناتيلاكي، ووزير العدل هارشانا ناناياكارا، اللذين زُعم أنهما استخدما لقب "دكتور" دون الحصول على شهادة الدكتوراة، فالأول أقر بأنه طالب دكتوراة لكنه لم يكمل البرنامج الأكاديمي، والثاني أضاف البرلمان إليه لقب "دكتور" بشكل خاطئ.
وأثرت هذه الفضائح على سمعة حكومة حزب الشعب الوطني السريلانكي، التي طالما روّجت لنزاهتها وشفافيتها، كما دعا عضو البرلمان نامال راجاباكسا إلى استقالة أي مسؤول لا يستطيع تقديم أدلة على مؤهلاته الأكاديمية.
ظاهرة تتجاوز سريلانكا
تشير مجلة "أوراسيا ريفيو" إلى أن تزوير الشهادات الأكاديمية ليس ظاهرة محلية تقتصر على جنوب آسيا، بل ينتشر عالميًا، مشيرة إلى أنه في بلدان نامية مثل سريلانكا، يعتبر التباهي بالشهادات الجامعية، حتى لو كانت مزيفة، وسيلة لكسب الاعتراف الاجتماعي والمهني.
وحسب المجلة فقد أدى تحرير الاقتصاد في جنوب آسيا إلى زيادة الطلب على المؤهلات التعليمية، ما ساهم في تنامي ظاهرة الشهادات المزورة.
جامعات مزيفة وألقاب فخرية
في الحقبة الاستعمارية، كان التباهي بالشهادات الجامعية شائعًا، حيث كانت تُستخدم الألقاب الأكاديمية كرمز للإنجاز، وبعد الاستقلال، زاد السياسيون من استخدام الألقاب الأكاديمية في سيرهم الذاتية، سواء كانت حقيقية أو مزيفة.
وظهرت جامعات وهمية في جنوب آسيا، باعت آلاف الشهادات بأسعار تتراوح بين 62 و1400 دولار أمريكي، وفي عام 2022، كشفت صحيفة "رور ميديا" عن شبكات محلية ودولية تقدم شهادات الدكتوراة مقابل رسوم مالية.
لم تقتصر التجارة على الشهادات فقط، بل شملت تنظيم حفلات تخرج باهظة التكاليف لإضفاء شرعية على الشهادات المزورة.
تداعيات الظاهرة على التعليم والسياسة
في الهند، تم تعليق عمل 11 أستاذًا جامعيًا في ولاية تاميل نادو بسبب حصولهم على شهادات مزورة، كما تورطت جامعات عامة وخاصة في بيع الشهادات، تحت ضغط الحاجة إلى التمويل والرعاية السياسية.
وساهمت شركات متخصصة في كتابة أطروحات الدكتوراه في تعزيز الظاهرة، حيث قدمت أطروحات جاهزة مقابل رسوم مالية.
وتكشف فضيحة الشهادات المزورة التي طالت كبار السياسيين في سريلانكا عن أزمة أعمق تمتد إلى بنية المجتمعات والتعليم في جنوب آسيا والعالم. ويعكس تطلع الأفراد والسياسيين للحصول على مؤهلات أكاديمية بأي ثمن قضايا اجتماعية واقتصادية متجذرة.
وتبقى الحاجة ملحة إلى إصلاحات شاملة في نظم التعليم والسياسة لضمان النزاهة والشفافية، ليس فقط في سريلانكا بل في العالم أجمع.