كشفت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية عن توجه كييف لدراسة خفض سن التجنيد إلى 18 عامًا، وسط ضغوط أمريكية متزايدة وتحديات ميدانية غير مسبوقة، إذ يأتي هذا التوجه في وقت تواصل فيه القوات الروسية تحقيق مكاسب على الأرض، ما يضع القيادة الأوكرانية أمام خيارات صعبة تتعلق بمستقبل البلاد وقدرتها على الصمود في وجه الهجمات الروسية المتواصلة.
التحدي العسكري والضغوط الدولية
على مدى قرابة 3 سنوات من الصراع، اتخذت أوكرانيا موقفًا استثنائيًا بين دول العالم المنخرطة في حروب، برفضها تجنيد الشباب من عمر 18 عامًا، ما أثار حيرة حلفائها الغربيين، لكنه ظل قضية شديدة الحساسية داخليًا.
وكشفت واشنطن بوست عن تصريحات مهمة لوزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، الذي أكد خلال مؤتمر صحفي في بروكسل، أن النقص في القوات البشرية يُمثل تحديًا أكثر إلحاحًا من نقص الأسلحة والذخيرة.
وأضاف بلينكن أن توفر الأموال والذخائر لا يكفي وحده لمواجهة العدوان الروسي، مشددًا على ضرورة وجود مقاتلين على خطوط المواجهة.
وتشير الصحيفة إلى أن هذه التصريحات تعكس حجم الضغط الذي تتعرض له القيادة الأوكرانية من حلفائها الغربيين لاتخاذ إجراءات جذرية لمعالجة النقص في القوات البشرية.
المعضلة الديموغرافية والمجتمعية
تواجه أوكرانيا تحديًا مزدوجًا يتمثل في الاعتبارات الديموغرافية والمجتمعية المعقدة، وفي هذا الصدد كشف أولكسندر جلادون، نائب مدير معهد بتوخا للدراسات الديموغرافية والاجتماعية، عن حقيقة صادمة تتمثل في أن الشباب تحت سن 30 عامًا يمثلون أصغر جيل في تاريخ أوكرانيا الحديث.
وأوضح جلادون أن هذا الوضع نتج عن انهيار معدلات المواليد بعد تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991، مع تسجيل أدنى معدل للمواليد في 2001.
هذا الواقع الديموغرافي يضع القيادة الأوكرانية في موقف صعب، إذ إن تجنيد هذه الفئة العمرية قد يؤثر بشكل كبير على مستقبل البلاد الديموغرافي.
وإن المسؤولين الأوكرانيين يشيرون إلى أن الرجال في سن 25 عامًا وما فوق غالبًا ما يكون لديهم طفل واحد على الأقل، مقارنة بمن هم دون هذا السن، ما يضيف بُعدًا اجتماعيًا آخر للمعضلة.
التحديات العملية والحلول المقترحة
في محاولة للتعامل مع النقص في القوات البشرية، اتخذت القيادة الأوكرانية عدة خطوات تدريجية، إذ خفض الرئيس زيلينسكي سن التجنيد من 27 إلى 25 عامًا، أبريل الماضي، كما ألغى العديد من الإعفاءات في محاولة لزيادة أعداد المجندين.
ومع ذلك، لم تحقق هذه الإجراءات النتائج المرجوة، إذ كشفت واشنطن بوست أن كييف كانت تهدف إلى تجنيد 200 ألف جندي جديد، بحلول نهاية العام الحالي، لكن هذا الهدف يبدو بعيد المنال.
وفي السياق ذاته، برز اقتراح مثير للجدل من يوري فيدورينكو، قائد كتيبة أخيلوس في اللواء 92 الأوكراني، يدعو إلى تطبيق الخدمة العسكرية الإلزامية للرجال والنساء من سن 18 عامًا، مع تخصيص السنوات الخمس الأولى للتدريب فقط، دون المشاركة في العمليات القتالية.
الواقع الميداني ومستقبل غير مؤكد
تواجه القوات الأوكرانية على الأرض وضعًا صعبًا للغاية، إذ إن الوحدات العسكرية تكافح للصمود أمام القوات الروسية الأكبر حجمًا، في حين يشعر الجنود الذين يقاتلون منذ بداية الحرب بالإحباط، بسبب عدم وجود تشريعات لتسريحهم.
وتزداد المخاوف الأوكرانية مع اقتراب موعد تنصيب الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب، يناير 2025، الذي وعد بإنهاء القتال سريعًا، ما يثير مخاوف من إجبار أوكرانيا على تقديم تنازلات إقليمية.
وفي السياق ذاته، تؤكد المصادر العسكرية الأمريكية للصحيفة الأمريكية وجود قدرة احتياطية لتدريب لواء كامل من المجندين الأوكرانيين خارج البلاد، إلا أن المشكلة تكمن في عدم توفر العدد الكافي من المجندين.
وعبّر العديد من القادة العسكريين، بمن فيهم الجنرال فاليري زالوجني، القائد السابق للقوات المسلحة الأوكرانية، عن مخاوفهم من تجنيد الشباب في سن مبكرة، مؤكدين أن مستقبل أوكرانيا يعتمد على هذا الجيل الجديد الذي نشأ بعيدًا عن التأثير الروسي.