عندما اجتمع قادة العالم في باكو بأذربيجان للمشاركة في محادثات الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ (COP29) بعد أقل من أسبوع من انتخاب دونالد ترامب -المتشكك في تغير المناخ- رئيسًا مرة أخرى، كانت دولة واحدة على وجه الخصوص مستعدة لسد فجوة بحجم الولايات المتحدة سيخلفها ترامب، وهي الصين.
لكن، لا تعمل الصين على استغلال الفراغ في قيادة المناخ مع عودة ترامب إلى السلطة فحسب "فمن الأمم المتحدة إلى الحوكمة الاقتصادية العالمية إلى السياسة النووية، تقدم الصين نفسها كزعيم دولي مستقر وموثوق به في عهد ترامب الثاني"، حسب ما أشار تقرير لصحيفة "واشنطن بوست".
وتنقل الصحيفة عن إيفان ميدوروس، الخبير في الشؤون الصينية بجامعة جورج تاون، والمسؤول السابق في الأمن القومي في إدارة أوباما: "خلال إدارة ترامب الأولى، اعتقد بقية العالم أنهم قادرون على تدبر أمورهم خلال أربع سنوات، وأن هذا سيكون عابرًا. لكن إدارة ترامب الثانية تشير إلى أن العديد من البلدان ربما تكون قد تغيرت تجاه الولايات المتحدة، وأن الصين قادرة على الاستفادة من ذلك".
سد الفراغ
يشير التقرير إلى أنه، حتى الأسابيع القليلة الماضية، كانت هناك أمثلة لكيفية تمكن بكين من سد الفراغ الأمريكي المتوقع. خاصة في الأمم المتحدة، وهي محورية في جهود الصين الرامية إلى تولي الزعامة العالمية على مدى العقد الماضي، حيث تحاول بكين تقديم نفسها كبديل للولايات المتحدة في عالم متعدد الأقطاب.
تقول الصحيفة: "مع انسحاب ترامب من الأمم المتحدة في ولايته الأولى، معلنًا عن خطط للانسحاب من منظمة الصحة العالمية، قدمت الصين تعهدات تمويلية سخية جديدة. كما كثّفت جهودها لوضع مسؤولين صينيين في أدوار قيادية في الأمم المتحدة؛ فقد كانت الوكالات المسؤولة عن الغذاء والزراعة والاتصالات والتنمية الصناعية والطيران المدني، جميعها، تحت قيادة مديرين صينيين في السنوات الأخيرة".
وتنقل عن كورتني فونج، الخبيرة في علاقات الصين مع الأمم المتحدة في جامعة ماكواري في أستراليا، أن أنشطة الصين في الأمم المتحدة "تهدف إلى إثبات أنهم هنا من أجل قيادة إصلاح نظام الحكم العالمي، لمساعدته على عكس ما يرونه كعالم متعدد الأقطاب اليوم".
وكان أحد الأهداف الخاصة للمبادرات الصينية هو "العالم النامي"، الذي يُطلق عليه أحيانًا اسم "الجنوب العالمي"، حيث عادة ما تسير المساعدات الاقتصادية والدعم السياسي جنبًا إلى جنب.
بالفعل، أصبحت بكين الشريك المفضل للدول النامية التي تتطلع إلى بناء الطرق أو المطارات، حيث قدمت لدول في إفريقيا وأمريكا اللاتينية مليارات الدولارات من خلال برنامج "شي" لتطوير البنية التحتية، ومبادرة "الحزام والطريق".
والأسبوع الماضي، افتتحت الصين ميناء كبيرًا في بيرو، ما يؤكد نفوذها الاقتصادي والسياسي في المنطقة. وفي حفل الافتتاح، سلّط الرئيس البيروفي دينا بولوارت الضوء على دور الصين في البلاد، وقال إن المشروع "سيساعد بيرو على القيام بالرحلة إلى العالم الآسيوي وتوحيد هذين العالمين الهائلين"، وفقًا لوسائل الإعلام المحلية.
كما حاولت الصين تصوير نفسها كمدافع عالمي عن السلام، حيث طرحت خطة لإنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا، ومقترحات للحد من الأسلحة مثل مبادرة "عدم الاستخدام الأول"، وهي تعهد بعدم استخدام الأسلحة النووية أولًا في أي صراع.
قيادة المناخ
وفق الصحيفة الأمريكية، يمكن لبكين أن تمارس التأثير الأكبر على المناخ "إذا اختارت ذلك"، ففي السنوات الأخيرة، أعطى الرئيس شي جين بينج الأولوية للمناخ، وخاصة بعد صعود ترامب إلى المسرح العالمي.
في عام 2020، عندما كانت الولايات المتحدة على وشك الانسحاب رسميًا من اتفاقية باريس، أعلن "شي" عن خطط للبدء في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون "قبل عام 2030" والوصول إلى انبعاثات صفرية صافية بحلول عام 2060.
لكن مساعي الصين لتولي زمام القيادة العالمية في مجال المناخ أصبحت معقدة بسبب الانبعاثات الهائلة التي تنتجها. فقد ظلت الصين أكبر منتج للغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري في العالم لمدة تقرب من عقدين من الزمان، على الرغم من أن الولايات المتحدة أطلقت كميات أكبر من هذه الغازات منذ بداية التصنيع.
وتستمر الصين في الاعتماد بشكل كبير على الطاقة المولدة من الفحم -وهو المصدر الرئيسي لثاني أكسيد الكربون- وفي السنوات الأولى من محادثات المناخ، كان المسؤولون الصينيون يُتهمون في كثير من الأحيان بإفساد الصفقات وسط مخاوف من أن تؤدي الالتزامات الأقوى إلى تقويض نمو الاقتصاد الصيني.
يقول التقرير: "كما قاومت بكين ضغوط الدول الغربية قبل المحادثات هذا الشهر للإعلان المبكر عن أهداف خفض الانبعاثات بحلول عام 2035، والانضمام إلى الدول المتقدمة في المساهمة النقدية لمساعدة الدول الفقيرة في معالجة التأثيرات الكارثية لتغير المناخ، والانتقال بعيدا عن الاعتماد على الوقود الأحفوري".
وقالت بليندا شابي، محللة السياسة الصينية في مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف -وهي مجموعة بحثية مقرها فنلندا- إنه "مع تراجع الولايات المتحدة، فإن الصين تمتلك المفتاح لتحقيق أهداف باريس"، لكنها أشارت إلى أن بكين لم تفعل الكثير حتى الآن لدعم تصريحاتها بالأفعال "والاضطلاع بدور قيادي يتطلب أكثر من مجرد القول بأنهم ملتزمون باتفاقية باريس".