الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

دلالات جولة بلينكن الحادية عشرة إلى الشرق الأوسط

  • مشاركة :
post-title
أنتوني بلينكن

القاهرة الإخبارية - د. مبارك أحمد

جاءت جولة وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكن الحادية عشرة إلى الشرق الأوسط منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، في الفترة من 22- 25 أكتوبر 2024، ليزور خلالها عددًا من دول المنطقة منها إسرائيل، والسعودية، وقطر. وهدفت الجولة وفقًا لبيان وزارة الخارجية الأمريكية لمناقشة إنهاء الحرب في غزة وتأمين إطلاق سراح جميع المحتجزين وتخفيف معاناة الشعب الفلسطيني، والدعوة إلى حل دبلوماسي في الحرب الدائرة بين جيش الاحتلال الإسرائيلي وحزب الله في لبنان، حيث امتنعت الولايات المتحدة حتى الآن عن الدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار، كما تطرّق بلينكن إلى قضايا اليوم التالي للحرب في غزة فيما يتعلق بمسائل إعادة إعمار القطاع وحُكمه.

توقيت حاسم

على الرغم من أن جولات بلينكن العشر السابقة لم تسفر عن أي نتائج ملموسة على أرض الواقع سواء فيما يتعلق بوقف إطلاق النار في غزة أو الإفراج عن المحتجزين أو منع تمدد الحرب إلى مناطق أخرى، إلا أن تلك الجولة تأتي في توقيت حاسم بالنسبة للتفاعلات الصراعية المحتملة في إقليم الشرق الأوسط، كما أنها تتزامن مع العديد من المتغيرات التي يمكن الإشارة إلى أهمها على النحو التالي:

(*) انعقاد قمة تجمع دول بريكس: تزامنت جولة وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكن إلى منطقة الشرق الأوسط مع انعقاد فعاليات قمة تجمع بريكس بمدينة قازان في روسيا في الفترة من 22- 24 أكتوبر 2024، وذلك بعد انضمام خمس دول إلى التجمع وهي: مصر، والإمارات، والسعودية، وإيران، وإثيوبيا. وتسعى دول الجنوب التي تستحوذ على 26% من مساحة العالم، وتمتلك أيضًا نحو 43 % من إجمالي تعداد سكان العالم بإجمالي 3.5 مليار نسمة بما يجعلها سوقًا عالمية هائلة من حيث قوة العمل والإنتاج، وكذلك التوزيع والاستهلاك.

وقد أصبحت نسبة مساهمة بريكس في الاقتصاد العالمي عام 2024 ما يقرب من 40% من حجم الاقتصاد العالمي، بناتج إجمالي 28,3 تريليون دولار، لذلك يسعى تجمع بريكس ليكون صوت الجنوب العالمي، وإنهاء هيمنة الغرب على الاقتصاد العالمي، فضلًا عن رفض الأحادية القطبية للولايات المتحدة الأمريكية، التي أسهمت في تعميق مأساة العديد من الشعوب في مناطق مختلفة من أقاليم العالم بسبب الانحيازات والتحالفات الأمريكية التي أشعلت العديد من الحرائق من دون رادع أخلاقي أو قيمي.

(*) استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة: تزامنت جولة بلينكن الشرق أوسطية مع استمرار الحرب الإسرائيلية الغاشمة على غزة، التي أدت إلى سقوط ما يزيد على 42 ألف شهيد فلسطيني، وجرح أكثر من 100 ألف فلسطيني، فضلًا عن تدمير البنية الأساسية بما في ذلك المساكن والمستشفيات والمدارس، وهو ما جعل القطاع يتعرّض لواحدة من المآسي الإنسانية ترتبط بحرب إبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل.

وعلى الرغم من تبني الإدارة الأمريكية لرفض استهداف المدنيين، إلا أن جولات بلينكن العشر السابقة لم تسفر عن ممارسة أي نوع من الضغط على إسرائيل، لوقف هجماتها ضد المدنيين. كما استمرت إسرائيل في تصفية قيادات حماس، وكان أحدث عملياتها استهداف يحيى السنوار، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، الذي ظل يقاتل حتى آخر لحظة.

(*) التصعيد العسكري الإسرائيلي ضد لبنان: على الرغم من تحذير الرئيس الأمريكي جو بايدن من اتساع رقعة الصراع وامتداده إلى جبهات أخرى، إلا أن جولات بلينكن المتكررة إلى المنطقة لم تنجح في تحقيق ذلك الهدف، الذي بدا وكأنه للاستهلاك الإعلامي فقط، فقد اتجهت إسرائيل نحو استهداف جنوب لبنان وقصف ضاحية بيروت الجنوبية بعد تنفيذها لعمليات البيجر واللاسلكي، وكذلك اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله وعدد من قادة الحزب. وتشير أرقام وزارة الصحة اللبنانية إلى سقوط 2593 شهيدًا وأكثر من 12 ألف جريح نتيجة القصف الإسرائيلي منذ بدء المواجهات بين حزب الله وإسرائيل. وتسعى إسرائيل لتنفيذ اجتياح برى محدود لجنوب لبنان يمكّنها من تأمين عودة ما يزيد على 60 ألف مستوطن إسرائيلي إلى مستوطنات الشمال بعد إجلائهم بسبب عمليات حزب الله.

(*) الرد الإسرائيلي على إيران: على الرغم من أن أحد أهداف جولات بلينكن للشرق الأوسط هو الدعوة إلى منع التصعيد الإقليمي، إلا أن إسرائيل قامت في 26 أكتوبر 2024 بالرد على إيران بضربات جوية، حيث أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي شن "ضربات دقيقة" وموجهة على مواقع تصنيع صواريخ وقدرات جوية أخرى في إيران، ردًا على الهجوم الذي شنّته طهران مطلع الشهر الحالي، وهددت حكومة نتنياهو بجعل طهران تدفع ثمنًا باهظًا في حال قررت الرد، فيما أعلنت إيران أن دفاعاتها نجحت في صد الهجمات الإسرائيلية التي استهدفت مواقع عسكرية في طهران، ومحافظتي خوزستان وإيلام في غرب البلاد، مشيرًة إلى أضرار محدودة في بعض المواقع. كما أشارت وزارة الخارجية الإيرانية إلى أن لطهران الحق في الدفاع عن نفسها وملزمة به، لكنها أضافت أنها تدرك مسؤولياتها تجاه السلام والأمن بالمنطقة. في حين توعّد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف في 27 أكتوبر 2024 بالرد على العدوان الإسرائيلي على بلاده مؤكدًا حتمية الرد.

دلالات متعددة

تعكس جولة بلينكن العديد من الدلالات التي يمكن الإشارة إلى أهمها على النحو التالي:

(&) محورية الدور الأمريكي في الشرق الأوسط: يشكّل الدور الأمريكي في الشرق الأوسط متغيرًا مؤثرًا فى ضبط الصراعات المشتعلة على العديد من الجبهات، لاسيما على جبهة الصراع الإيراني الإسرائيلي، فثمة إدراك أمريكي بأن خروج المواجهات بين الدولتين عن الضربات المحسوبة بينهما قد يؤدي إلى تدهور الأمن الإقليمي، الأمر الذي تسعى الإدارة الأمريكية لتجنبه، وفي حال خلل المواجهات لصالح إيران ستجبر الولايات المتحدة الأمريكية، على الانخراط في المواجهات للدفاع عن إسرائيل وهو الحال الذي لا يلقى قبولًا لدى الإدارة الأمريكية الحالية، لذلك فإن جولات بلينكن المتكررة لإقليم الشرق الأوسط كانت تتبنى الدعوة لمنع توسيع الحرب على غزة إلى مناطق أخرى من الإقليم.

(&) استمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل: يشكّل الدعم الأمريكي لإسرائيل أحد الأهداف الرئيسية لجولات بلينكن في الشرق الأوسط، حيث بدأت جولته الحادية عشرة بزيارة تل أبيب ولقائه برئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي نتنياهو، ووفقًا لتصريحات بلينكن فإنه بحث مع نتنياهو رسم الطريق إلى السلام والأمن الدائمين للإسرائيليين والفلسطينيين على السواء، مؤكدًا أنه شدّد في إسرائيل على أهمية إيصال المساعدات إلى غزة وإنهاء الحرب بطريقة توفر الأمن والاستقرار الدائمين، كما حثَّ إسرائيل على اقتناص ما اعتبرها فرصة سانحة لإنهاء الحرب بعد مقتل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس يحيى السنوار، زاعمًا أنه كان العائق الأول أمام مفاوضات وقف إطلاق النار في غزة. وأكد أن واشنطن تبذل مساعي دبلوماسية حثيثة مع شركائها العرب والأوروبيين لبلورة فهم واضح بشأن طبيعة الحكم في غزة مستقبلًا وإعادة إعمار القطاع.

(&) الانتخابات الرئاسية الأمريكية: تشكل الانتخابات الرئاسية الأمريكية أحد المحددات الرئيسية لتوجهات جولات بلينكن في الشرق الأوسط سواء ما يتعلق منها بإظهار الجانب الإنساني وترويجه خلال تلك الجولات لأغراض انتخابية بالأساس، وهو ما عبّر عنه بلينكن فى تصريحاته خلال الجولة الحادية عشرة بأن الولايات المتحدة الأمريكية ستعمل على مساعدة الفلسطينيين في إعادة بناء حياتهم، مؤكدًا ضرورة وصول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، وأنه تم تحديد الخطوات اللازمة لتيسير إيصال المساعدات إلى غزة، أو ما يتعلق منها بإظهار التزام إدارة بايدن بحماية أمن إسرائيل لكسب أصوات اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتأرجحة لصالح كامالا هاريس، وهو ما عبّر عنه بلينكن في مؤتمر صحفى خلال مغادرته تل أبيب وتوجهه إلى السعودية بالقول إنه خلال جولته يتم العمل على منع توسيع الصراع بالمنطقة، مضيفًا أنه من المهم أن ترد إسرائيل على إيران بما لا يوسع التصعيد.

تتماشى هذه التصريحات مع ما أعلنه الرئيس الأمريكي جو بايدن عن علمه بكيفية، وتوقيت الضربة الإسرائيلية ضد إيران قبيل تنفيذها، وهي الرسالة التى توظفها الإدارة الحالية انتخابيًا، كما أنها سعت بأن يكون التصعيد بين إسرائيل وإيران محسوبًا لهدفين أساسيين الأول يتعلق بحماية إسرائيل، التي كشفت تطورات المواجهات على الأرض بأنها تعاني تهديدًا وجوديًا من دون مساندة الولايات المتحدة لها. والثاني يرتبط بأن ضبط التصعيد سيسهم فى تعزيز أمن الطاقة على المستوى العالمي، لاسيما وأن خروج المواجهات بين إيران وإسرائيل عن السيطرة قد يؤدي إلى ارتفاعات قياسية في أسعار الطاقة وهو ما لا تتحمله الاقتصادات الغربية.

مجمل القول؛ برغم إخفاق جولات بلينكن في تهدئة التصعيد على جبهات إقليم الشرق الأوسط المشتعلة، إلا أنها تعكس محورية حماية أمن إسرائيل كأولوية في الاستراتيجية الأمريكية. ويبقى على الولايات المتحدة الأمريكية، كقطب دولي ومؤثر في تفاعلات الإقليم، الضغط لوقف التصعيد والحرب الإسرائيلية على غزة ولبنان، التي تُمارس فيها جرائم الإبادة الجماعية ضد شعوب المنطقة بلا رادع أخلاقي أو دولي، وألا تدار حروب بالوكالة على الأراضي العربية التي تعاني صراعات النفوذ بين القوى الدولية والإقليمية الساعية لتغيير موازين القوى الحالية.