الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

هل يشهد 2024 حربًا في الفضاء الخارجي؟

  • مشاركة :
post-title
صورة تعبيرية

القاهرة الإخبارية - ضياء نوح

أثارت التصريحات الأمريكية بشأن عُكوف روسيا على مشروع تطوير أسلحة نووية في الفضاء مخاوف اتساع هُوة الصراع بين الغرب بقيادة الولايات المتحدة من جهة، وروسيا وكذلك الصين من جهة أخرى، الأمر الذي ينذر بدمار واسع النطاق يعيد البشرية عصورًا للوراء.

الإعلان الأمريكي جاء عقب بيان من رئيس لجنة الاستخبارات بمجلس النواب مايك تيرنر، في 14 فبراير 2024، مطالبًا الرئيس جو بايدن برفع السريّة عن سرّ خطير يهدد الأمن القومي الأمريكي، كاشفًا عن إتاحة اللجنة المعلومات المتعلقة بذلك التهديد لكل أعضاء الكونجرس، لكن الإدارة قللت من القدرات الروسية، فيما كشفت وسائل الإعلام الأمريكية والغربية حجم المخاوف التي دفعت واشنطن للتواصل المباشر رفيع المستوى مع موسكو في الآونة الأخيرة، إلى جانب إبلاغ الحلفاء الأوروبيين بذلك التهديد المحتمل خلال العام الجاري، بينما نفى الرئيس الروسي مجددًا تلك الأنباء يوم الجمعة 1 مارس 2024.

ويمثل ذلك تطورًا خطيرًا في المواجهات بين روسيا والقوى الغربية على خلفية الحرب الروسية الأوكرانية في عامها الثالث، مع إعلان الجانب الأوكراني استعانة روسيا بمنظومة "ستارلينك" للأقمار الاصطناعية القريبة من الأرض التابعة لشركة "سبيس إكس" في العملية العسكرية، والتي بدورها زودت الجانب الأوكراني منذ بداية الحرب بآلاف الهوائيات لتأمين الاتصالات هناك، وساد سجال حاد بين الشركة وكييف حول استخدام الأخيرة تلك المنظومة في الأغراض العسكرية.

وقبيل اندلاع الحرب بعدة أشهر (منتصف نوفمبر 2021) دمرت موسكو إحدى الأقمار الاصطناعية المتقادمة في الفضاء باستخدام صواريخ مضادة للأقمار الصناعية، ما اعتُبر مؤشرًا على أهمية "المجال الفضائي" في معركة الأسلحة المشتركة في المواجهات الحالية بين القوى الكبرى، فضلًا عن تسارع الاهتمام بدمج البعد الفضائي ضمن أبعاد التخطيط والمهام العملياتية العسكرية، في ظل التطورات الأمنية والعسكرية والبنيوية في تشكيل الجيوش والتغيرات البنيوية المدنية التجارية والعسكرية.

وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي فرضية امتداد الصراع الغربي الروسي إلى الفضاء الخارجي، في ضوء التصريحات الأمريكية وحدود تأثيرها على الأمن الدولي.

أبعاد انتقال الصراع للفضاء

منذ أربعة أعوام، تعززت المنافسة الاستراتيجية على الفضاء مع بروز نمط عسكرة التفاعلات في هذا المجال العسكري الحديث نسبيًا، إذ أنشأت الولايات المتحدة قيادة جديدة للفضاء، بالتزامن مع تطور قدرات الصواريخ المضادة للأقمار الصناعية، وأحدث تلك المحاولات الملموسة كانت إسقاط روسيا قمرًا صناعيًا سوفييتيًا متقادمًا في منتصف نوفمبر 2021 عبر صاروخ "a-235"، بالتوازي مع توافد تعزيزات الجيش الروسي على الحدود مع أوكرانيا قبل الحرب، والتي أثبتت بدورها (الحرب) أهمية العامل الفضائي في الاستطلاع والتخطيط والاتصالات العسكرية، ويمكن استعراض نمط تزايد الاهتمام بالفضاء الخارجي في المجال العسكري في السياق التالي:

قوة الفضاء الأمريكية

(*) مهام جوهرية: برز الفضاء الخارجي ميدانًا للتنافس في المجال العسكري بمهام المراقبة والتجسس، من خلال سرعة جمع وتحليل المعلومات وتبادلها بشأن التهديدات الناشئة في الوقت الفعلي، وكان أبرزها الاتفاق بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان على آلية تبادل بيانات التحذير الفوري لإطلاق الصواريخ الباليستية الكورية الشمالية.

وفي 15 فبراير 2023، أعلنت 18 دولة في حلف الناتو (من بينها فنلندا والسويد المرشحتان للعضوية آنذاك) إطلاق مبادرة "أكويلا" لجمع المعلومات من الفضاء؛ لتحسين قدرة المنظومة الاستخباراتية عبر الاستفادة من الأصول الوطنية والخاصة للحلفاء في الفضاء.

ومن الجدير بالذكر أن الجيش الأمريكي يمتلك مركبة فضائية مُسيّرة من طراز "X-37B" التي دخلت الخدمة 2010، وتستطيع البقاء في الفضاء لأكثر من 270 يومًا، حسب موقع شركة بوينج المصنعة، وأُطلقت المركبة في 28 ديسمبر الماضي على متن صاروخ "فالكون هيفي" التابع لشركة "سبيس إكس" في مهمتها السريّة السابعة، ومن المحتمل أن تكون رأس الحربة في مهام التتبع وجمع المعلومات عن الأنشطة الفضائية الروسية والصينية، وحتى الحلفاء في أوروبا واليابان والهند.

كما تأتي مهام تأمين الاتصالات من بين الاستخدامات الثورية لشركات الفضاء التي تملك أقمارًا صناعية تعمل بالمدار القريب من الأرض بأقل من 550 كيلومترًا، بفضل تزويد شركة "سبيس إكس" أوكرانيا بالعديد من الهوائيات والمستقبلات التابعة للشركة، من خلال توجيه منظومة أقمار صناعية على مدار منخفض قريب من الأرض باتجاه الأراضي الأوكرانية، وهو ما تضاعف تأثيره مع استخدام الجيش الأوكراني لتلك التقنية في تأمين الاتصالات ودعم جهوده في صد الهجوم الروسي، وتنفيذ هجوم مضاد اعتُبر ناجحًا في أولى مراحله.

وفي إطار تبني حلف الناتو خلال قمته الـ74 في فيلنيوس، يوليو 2023، نهج الدفاع الشامل (360) في مختلف الميادين المحتملة للمواجهة (البر والبحر والجو والفضاء الإلكتروني والفضاء الخارجي)، وأشار البند 67 من بيان القمة إلى أهمية دمج البعد الفضائي في عمليات التخطيط وتنفيذ العمليات المشتركة للحلفاء، واعتباره أحد أدوات تعزيز صمود المجتمعات في حال تعرضها لهجمات هجينة تستهدف حرمانها من مجموعة واسعة من الخدمات، على رأسها خدمة الاتصالات، والتأثير على البنية التحتية الحيوية للدولة.

(*) استقطاب متزايد: صاحب الاستقطاب الدولي حول أوكرانيا تجاذبات عديدة قادت لتراجع التعاون بين القوى المتصارعة في الفضاء الخارجي، إذ أعلنت روسيا انسحابها في يوليو 2022 من محطة الفضاء الدولية بحلول نهاية 2024، إلا إن الجانبين الروسي ممثلًا في وكالة روسكوزموس، والأمريكي ممثلًا في وكالة ناسا، وقعا أواخر ديسمبر 2023 اتفاقًا لتمديد مهماتهما بمحطة الفضاء الدولية حتى عام 2025، وذلك رغم المخاوف المتصاعدة من تعزيز القدرات الفضائية العسكرية في الولايات المتحدة وروسيا والصين، وبالتالي يتزايد الاهتمام باستغلال الفضاء الخارجي في العمليات العسكرية.

(*) تعدد الفاعلين: لم يعد الفضاء الخارجي حكرًا على الدول والمؤسسات الحكومية الكبرى، إذ باتت شركات الفضاء التجارية جزءًا رئيسيًا من خطط العمليات العسكرية، وعلى رأسها منظومة "ستارلينك"، التي دعمت اتصال أوكرانيا بالعالم الخارجي، ومنعت انهيار الدولة بعد أكثر من 24 شهرًا من الحرب، وألمحت كييف مؤخرًا لاعتماد الجيش الروسي على الشركة ومنظوماتها في عملياته العسكرية، وهو ما نفته روسيا في فبراير الماضي.

وتخطط الولايات المتحدة بالتعاون مع شركات الفضاء الخاصة في بناء احتياطي للطوارئ لحماية الأمن القومي الأمريكي، من خلال توفير بدائل إذا ما تعرضت بنيتها التحتية لهجوم، بينما يمثل احتكار "سبيس إكس" لسوق الأقمار الصناعية المنخفضة المدار تحديًا وتهديدًا للولايات المتحدة في هذا السباق.

مخاوف محورية

يُظهِر مشهد التنافس على الفضاء تماهي الحدود الفاصلة بين التقنيات المخصصة لأغراض مدنية وتلك العسكرية البحتة، في ظل لجوء القوى الغربية لاستغلال الأصول الفضائية التجارية الحالية (وحتى المستقبلية في إطار ما يفرضه استخدام قانون الإنتاج الدفاعي الأمريكي من تلبية متطلبات الأمن القومي في أوقات الطوارئ) في الجهد العسكري، وتتمثل تلك المخاطر في التالي:

(&) الحرمان وتحييد الاتصالات الاستراتيجية للعدو: برزت المخاوف الأمريكية من مساعي تطوير روسيا سلاحًا نوويًا يولد نبضة كهرومغناطيسية تعمل على شلّ قدرات الأقمار الصناعية للولايات المتحدة وحلفائها، وهو ما دفع وزير الخارجية أنتوني بلينكن لتحذير نظيريه الصيني والهندي من إمكانية تأثير ذلك على مصالح وأصول البلدين؛ لحثهما على الضغط على روسيا، حسب صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية.

(&) الصراع المسلح: ويمكن في هذا السيناريو الاستهداف العسكري المباشر للأصول الفضائية للأعداء والخصوم، أو نشوب مواجهة عسكرية متكاملة مع الاهتمام بتطوير أسلحة مضادة للأقمار الصناعية لم تعد تقتصر على الصواريخ الأرضية أو الجوية، وإنما بتطوير أسلحة مختلفة كأسلحة الطاقة الموجهة (مثل أسلحة الموجات الدقيقة "الميكروويف" ومدافع الليزر)، وبمواقف وتكتيكات حربية تختلف عن الحروب على الأرض.

وبالتالي من غير المؤكد نشوب صراع مسلح على المدى القريب رغم تنامي التنافس في الفضاء واتخاذ بعض أنشطته طابعًا عسكريًا، خاصة أن الصين تخطط لإطلاق 13 ألف قمر صناعي على مدار منخفض، نتيجة النجاح الذي حققته "ستارلينك" في الحرب الروسية الأوكرانية، وذلك بالنظر للمخاوف بشأن إمكانية تدخل الولايات المتحدة في دعم تايوان عبر شركاتها الخاصة في الفضاء.

وختامًا؛ يمكن القول إنه بالتوازي مع تصعيد التوتر في الساحة الأوكرانية تكمن المخاوف بصورة رئيسية في استخدام أسلحة من شأنها تخريب وتعطيل الأقمار الصناعية عن أداء دورها في مختلف جوانب الحياة المدنية إلى جانب التشويش والإرباك للقدرات العسكرية، وهو ما يعني أولًا؛ أن منسوب التصعيد في الفضاء لا يزال مقترنًا بالتوترات والصدامات على الأرض، وثانيًا؛ أن المساعي المتبادلة لفرض معادلة للردع على قاعدة "التدمير المؤكد المتبادل Mutual Assured destruction" سيعزز من استقلال الأفرع العسكرية المعنية بالفضاء عن هيكل القوات الجوية وميلاد أفرع جديدة في الجيوش التي لا تمتلك تلك الأفرع بالأساس لتطوير القدرات الصاروخية وبناء وإطلاق قدرات هجومية بالفضاء الخارجي، وثالثًا؛ أن بيئة العمليات في الفضاء لا تزال غير واضحة المعالم والسيناريوهات ويغلب عليها السرية، وبالتالي فإن القدرات العسكرية المستقبلية ستعتمد على الإعاقة والتخريب على أهداف عالية القيمة لتفادي سيناريو الحرب الشاملة والمعلنة بهدف حرمان الخصم من شن حرب في الفضاء وتقليل الأثر التدميري الذي قد يصيب القدرات والأصول الفضائية لهذه الدولة نفسها.