الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

شبح الأزمة اليونانية يطاردهم.. "الحريديم" قنبلة اقتصادية تهدد إسرائيل

  • مشاركة :
post-title
وصل عدد الحريديم في إسرائيل نحو 1,452,350 نسمة بما يعادل 14.3%

القاهرة الإخبارية - عبدالله علي عسكر

تواجه إسرائيل تحديات اقتصادية متزايدة مع النمو السكاني السريع للمجتمع المتطرف "الحريدي"، وتراجع اندماجه في سوق العمل، واستمرار الفجوات في التعليم والتجنيد العسكري، إذ تشير تقديرات اقتصادية إلى أن تكلفة هذه الاتجاهات قد تصل إلى نحو ربع تريليون شيكل سنويًا بحلول عام 2050، بحسب "يديعوت أحرونوت".

التحول السكاني

والحريديم هم جماعة من اليهود المتدينين الأرثوذكس المتطرفين، الذين يتمسكون بتطبيق الشريعة اليهودية وتقاليدها الدينية والاجتماعية بصورة صارمة، من قواعد الطعام ويوم السبت إلى العبادات والملابس والسلوك الاجتماعي. ويعيشون في إسرائيل وفي مجتمعات يهودية خارجها، خصوصًا في الولايات المتحدة وأوروبا.

وبلغ عدد الحريديم في إسرائيل نحو 1,452,350 نسمة بنهاية عام 2025، بما يعادل 14.3% من السكان، وفق بيانات معهد الديمقراطية الإسرائيلي. ومن المتوقع أن ترتفع نسبتهم إلى نحو 16% بحلول عام 2030، وأن تتجاوز نسبتهم من السكان اليهود 28% عام 2045. وفي أقل من أربعين عامًا، قد يرأس الحكومة الإسرائيلية رئيس وزراء حريدي، إذ سيشكل الحريديم ما يقارب ثلث الإسرائيليين.

وبحسب توقعات معهد الديمقراطية الإسرائيلي، قد يتجاوز عدد الحريديم عدد السكان العرب بحلول عام 2043، فيما يُتوقع أن يشكلوا 32% من إجمالي السكان و40% من السكان اليهود بحلول عام 2065.

ارتفاع الخصوبة

وتعود الزيادة إلى ارتفاع معدلات الخصوبة، إذ قدّر المكتب المركزي للإحصاء عام 2017 معدل الخصوبة لدى الحريديم بنحو 6.5 طفل لكل امرأة، مقابل 2.7 طفل لدى اليهود غير الحريديم والعرب بحلول عام 2030. وبحلول عام 2060، يُتوقع أن ينخفض المعدل إلى 5.4 طفل لدى الحريديم، مقابل 2.3 إلى 2.4 طفل لدى الفئتين الأخريين.

وتشير توقعات المكتب المركزي للإحصاء إلى أن عدد الحريديم قد يتراوح بين 2.3 و3 ملايين نسمة عام 2040، عندما يُتوقع أن يبلغ إجمالي سكان إسرائيل بين 12.3 و14.2 مليونًا. وفي عام 2065، قد يصل عدد السكان إلى ما بين 15.6 و24.9 مليونًا، بينهم 4.2 إلى 9.1 مليون حريدي. ونُشرت هذه التوقعات عام 2017 دون احتساب التحولات بين المجموعات السكانية بسبب نقص البيانات.

عزوف الرجال عن العمل

من المتوقع أن تتراجع نسبة اليهود غير الحريديم من القوى العاملة إلى نحو النصف بحلول عام 2065. ووفقًا لمعهد الديمقراطية الإسرائيلي، توقفت زيادة معدل توظيف الرجال الحريديم منذ عام 2015، واستقرت نسبتهم عند نحو 52% لعقد من الزمن، مقابل أكثر من 80% لدى النساء الحريديات.

ويبلغ متوسط دخل العاملين الحريديم 56% من متوسط دخل اليهود غير الحريديم العاملين، وهو ما يرتبط بطبيعة الوظائف والتدريب المطلوب لها، بما في ذلك التعليم الأساسي. ويسهم انخفاض الأجور، إلى جانب سخاء إعانات الرعاية الاجتماعية، في عزوف الرجال الحريديم عن العمل.

وبحسب بنك إسرائيل ووزارة المالية، تتجاوز تكلفة عدم توظيف الحريديم 10 مليارات شيكل سنويًا حاليًا، وقد ترتفع إلى 15–20 مليار شيكل سنويًا خلال عقد، ثم إلى نحو 25 مليار شيكل بحلول عام 2050.

وتشير التقديرات إلى أن استمرار ضعف اندماج الحريديم في التعليم العالي وسوق العمل الحديث قد يؤدي إلى خسارة سنوية في الناتج المحلي الإجمالي تبلغ نحو 160 مليار شيكل عام 2050، أي ما لا يقل عن 10% من الناتج المحلي الإجمالي المحتمل.

أعباء التجنيد

إذا شكّل الشباب الحريدي نحو 40% من الفئة المؤهلة للتجنيد بحلول عام 2050، فقد ينخفض معدل تجنيد الرجال الإجمالي من 61% إلى 45% خلال 23 عامًا، وفق تقديرات رسمية.

ومن شأن ذلك زيادة الاعتماد على جنود الاحتياط، بما يرفع التكاليف المالية نتيجة طول فترات خدمتهم واضطرارهم إلى ترك وظائفهم. وفي المقابل، قد يتيح التجنيد الكامل للحريديم تقليص مدة الخدمة الإلزامية، حتى في سيناريو أمني متفائل لا يحتاج فيه الجيش إلى حجم القوى العاملة الحالي.

وحذّر قسم كبير الاقتصاديين في وزارة المالية ورؤساء بنك إسرائيل خلال العقد الماضي من "فخ ديموغرافي مالي" يهدد الاستقرار المالي، مع استمرار ارتفاع الإنفاق الحكومي وتزايد الضغوط لرفع الضرائب على القطاعات الإنتاجية.

وقدّر معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي الخسائر المالية التراكمية بين عامي 2035 و2045 بنحو 240 مليار شيكل، تشمل 60 مليارًا من الناتج المحلي الإجمالي المفقود، و140 مليارًا في مدفوعات التحويلات التأمينية الوطنية، و40 مليارًا في تكاليف الدفاع الإضافية.

تكلفة الإعانات

تستفيد الأسر الحريدية من دعم حكومي مباشر وغير مباشر، يشمل التحويلات المالية والخصومات على الضرائب البلدية والإعانات والمنح، وتصل تكلفته إلى آلاف الشواقل شهريًا. أما الأسر التي يزيد عدد أفرادها على عشرة، فتُقدَّر تكلفتها بأكثر من 10 آلاف شيكل شهريًا.

وبحسب بيانات وزارة المالية الإسرائيلية ومعهد الديمقراطية الإسرائيلي، تسهم الأسرة اليهودية غير الحريدية في خزينة الدولة بصافي 6,614 شيكل شهريًا في المتوسط، بينما تسجل الأسرة الحريدية عجزًا قدره 4,137 شيكل، والأسرة العربية عجزًا قدره 1,027 شيكل شهريًا، مع تراجع العجز في الحالة الأخيرة.

تحديات المجتمع العربي

وتواجه إسرائيل تحديات أيضًا في المجتمع العربي، إذ يُتوقع أن يشكل 19% إلى 21% من السكان حتى عام 2065. ورغم انخفاض توظيف النساء وصعوبات العمل لدى الشباب، ارتفعت نسبة الحاصلين على شهادة الثانوية العامة من 50.2% عام 2009 إلى 77.6% عام 2024، وتضاعف عدد الطلاب العرب تقريبًا خلال عقد، لكن الحرب أوقفت مسار الاندماج في سوق العمل وأدت إلى تراجعه.

إذا استمر ضعف التوظيف في المجتمع الحريدي، فمن المتوقع أن ينخفض متوسط مدفوعات الضرائب لكل أسرة بنسبة 24% بحلول عام 2050. وتقدّر وزارة المالية أن تمويل الفجوة قد يتطلب خفض الخدمات العامة، ورفع ضريبة القيمة المضافة من 18% إلى 22% على الأقل، إلى جانب زيادة ضريبة الدخل على جميع أصحاب الدخول، بمن فيهم الأقل دخلًا.

ووفق تقديرات إسرائيلية، قد تتراجع قدرة إسرائيل على تمويل مواطنيها بنسبة لا تقل عن 12% بحلول عام 2065، إذا أصبح عدد العاملين ودافعي الضرائب أقل بكثير من عدد السكان المحتاجين إلى المساعدات الحكومية.

وقد تضطر الحكومة الإسرائيلية، نتيجة نقص التمويل، إلى تقليص موازنات الطرق والسكك الحديدية والمستشفيات والمساعدات المقدمة لذوي الإعاقة وكبار السن، بما يضع ضغوطًا إضافية على الخدمات العامة ومستوى المعيشة.

وتحذر التقديرات من أن استمرار هذه الاتجاهات قد يقود إلى أزمة مالية شبيهة بالأزمة اليونانية، ويهدد الرفاه الإسرائيلي ومكانة إسرائيل الاقتصادية.