تدخل فرنسا مرحلة جديدة من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، مع تصاعد احتجاجات الطلاب في أنحاء البلاد بالتزامن مع تفاقم أعباء الدين العام وارتفاع كلفة الاقتراض، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى خفض عجز الموازنة من خلال إجراءات تقشفية وزيادات ضريبية تواجه مقاومة سياسية وشعبية.
وكشفت الاحتجاجات الطلابية في فرنسا عن جانب اجتماعي لأزمة مالية أوسع نطاقًا، إذ يطالب طلاب المدارس الثانوية بمعالجة نقص أعداد المعلمين، وتقليص كثافة الفصول الدراسية، وتحسين أوضاع المدارس التي تعاني من تدهور البنية التحتية، بحسب شبكة "سي إن إن" الأمريكية.
في المقابل، تجد الحكومة نفسها مطالبة بزيادة الإنفاق على قطاعات عامة عدة، بينما تواجه ضرورة ملحة للسيطرة على العجز والدين.
كلفة اقتراض مرتفعة
ووفقًا لـ"سي إن إن"، تواجه المالية العامة الفرنسية ضغوطًا متنامية في ظل تجاوز الدين العام حجم الاقتصاد، بينما ارتفعت تكلفة خدمة الدين مع صعود عوائد السندات الحكومية.
ولا تمثل قيمة الدين وحدها مصدر القلق، إذ إن ارتفاع أسعار الفائدة يعني أن الحكومة الفرنسية تدفع مبالغ أكبر لإعادة تمويل ديونها وإصدار سندات جديدة. ومع استمرار هذا الاتجاه، يتزايد الجزء من الموازنة الذي يذهب إلى خدمة الدين بدلًا من تمويل التعليم والصحة والاستثمارات العامة وغيرها من الخدمات.
تأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه فرنسا أيضًا ارتفاعًا في نفقات معاشات التقاعد نتيجة شيخوخة السكان، إلى جانب الضغوط المتزايدة لرفع الإنفاق الدفاعي في ظل التحولات الأمنية التي تشهدها أوروبا.
وتقول "سي إن إن": "الاحتجاجات الطلابية تظهر مدى صعوبة الموازنة بين متطلبات ضبط الإنفاق والحاجة إلى تحسين الخدمات العامة. فالطلاب يطالبون بمزيد من المعلمين، وفصول أقل ازدحامًا، واستثمارات في المدارس والمرافق التعليمية. وهي مطالب تتطلب موارد إضافية في وقت تحاول فيه الحكومة تقليص الإنفاق العام".
وتعيد هذه الاحتجاجات إلى الأذهان تجربة عام 2023، عندما أدت خطة رفع سن التقاعد إلى موجة واسعة من الاحتجاجات والإضرابات. وتوضح التجربة أن إصلاح المالية العامة في فرنسا غالبًا ما يصطدم بمقاومة اجتماعية قوية عندما تمس الإجراءات دخول المواطنين أو الخدمات التي يحصلون عليها.
تحركات لاحتواء الأزمة
في محاولة لاحتواء الأزمة، طرحت الحكومة الفرنسية حزمة من الإجراءات تستهدف خفض عجز الموازنة عبر تقليص الإنفاق وزيادة بعض الضرائب، وفقًا لما أوردته صحيفة "لوموند".
غير أن نجاح الخطة يظل مرتبطًا بقدرة الحكومة على تمريرها في البرلمان، في ظل الانقسامات السياسية الحادة التي تجعل إقرار إجراءات تقشفية واسعة أمرًا بالغ الصعوبة.
وتزداد حساسية الوضع مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقبلة، إذ يخشى المستثمرون من أن تؤدي المنافسة السياسية إلى تخفيف الإجراءات المالية المقترحة أو التراجع عن بعض التخفيضات في الإنفاق.
ويرى اقتصاديون أن حالة عدم اليقين السياسي قد تزيد من علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمرون عند شراء السندات الفرنسية، الأمر الذي يرفع تكلفة الاقتراض ويزيد الضغوط على المالية العامة.
وتجسدت المخاوف بشأن الوضع المالي الفرنسي في أسواق السندات، حيث اتسع الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية إلى مستويات مرتفعة.
ويعني اتساع هذا الفارق أن المستثمرين يطالبون بعائد أكبر مقابل الاحتفاظ بالسندات الفرنسية مقارنة بالسندات الألمانية، التي تُعد مرجعًا رئيسيًا للأصول الآمنة في منطقة اليورو.
ويشكل ارتفاع العوائد مصدر ضغط إضافي على الحكومة الفرنسية؛ فكلما ارتفعت تكلفة الاقتراض، ازدادت الأموال المطلوبة لخدمة الدين، ما قد يجبر السلطات على اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لاحتواء الإنفاق.
كما أن تأثير ارتفاع العوائد لا يقتصر على الحكومة، إذ يمكن أن تمتد آثاره إلى الشركات والأسر من خلال زيادة تكلفة القروض والرهون العقارية وتمويل الاستثمارات.
مخاوف أوروبية
وتكتسب الأزمة الفرنسية أهمية خاصة بسبب حجم الاقتصاد الفرنسي ودوره المحوري داخل منطقة اليورو.
ونقلت "سي إن إن" عن اقتصاديين قولهم إن استمرار الضغوط على السندات الفرنسية يمكن أن ينعكس على أسواق الدين الأوروبية الأخرى، خصوصًا في الدول التي تعاني بدورها من مستويات مرتفعة من الدين العام.
ولا يعني ذلك بالضرورة عودة أزمة الديون الأوروبية التي ضربت المنطقة في أوائل العقد الماضي، لكن ارتفاع تكاليف الاقتراض واتساع فروق العوائد قد يزيدان هشاشة النظام المالي الأوروبي أمام أي صدمات جديدة.
كما يمكن أن تؤثر المخاوف المتعلقة بفرنسا على العملة الأوروبية، في وقت يحاول فيه اقتصاد منطقة اليورو الاستفادة من مؤشرات تعافٍ نسبي، مدفوعًا بزيادة الاستثمارات والطلب الخارجي وارتفاع الإنفاق الدفاعي في عدد من الدول.