لم تكد تمر أيام على انطلاق احتجاجات طلاب مرحلة الثانوية في فرنسا، حتى تحولت إلى موجة عارمة تجتاح المؤسسات التعليمية من شمال البلاد إلى جنوبها، مُهدِدةً بالامتداد إلى الجامعات.
بين مبانٍ متهالكة ونقص حاد في المعلمين وضغوط منصة القبول الجامعي، تتشابك المطالب وتتصاعد حدة المواجهة، فيما تتخبط الحكومة بين نداءات الهدوء وإجراءات الاحتواء، وفي هذا الصدد رصدت صحيفة "ليزيكو" الفرنسية مسار الأزمة المتصاعدة وتداعياتها.
مؤسسات مشلولة وعناصر تتنقل لإشعال الفتيل
كشف وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز، في بيان مساء الأربعاء الذي نقلته ليزيكو، أن 356 مؤسسة تعليمية شهدت اضطرابات خلال ذلك اليوم وحده، من بينها 205 مؤسسات لم تكن قد تأثرت في الأيام السابقة، وهو رقم يعكس سرعة تمدد الحركة وخروجها عن نطاق السيطرة.
وأشار الوزير إلى "امتداد الحركة وتصاعد موجة العنف"، فيما حذر وزير التربية الوطنية إدوار جيفراي من وجود عناصر منظمة تتنقل بين المؤسسات لتأجيج الطلاب وإشعال بؤر الإغلاق.
وأسفرت الاضطرابات حتى ذلك الحين عن سقوط 119 جريحًا من طلاب وموظفين، فضلًا عن 83 عنصرًا من الشرطة، وبلغ عدد الموقوفين 625 شخصًا في يوم الأربعاء وحده.
ماكرون يتدخل
لم يصمت الرئيس إيمانويل ماكرون أمام هذا التصعيد، فوجه نداءً عامًا للجميع بـ"التزام الهدوء"، مؤكدًا أن "المدارس وُجدت لتكون مفتوحة ونقل المعرفة، لا لتُغلق أو تُحرق فيها النفايات"، وهي عبارة حملت قدرًا من الحزم غير المعهود في خطابه.
وجاء ذلك في سياق تصريح سابق لوزير التربية على قناة أر تي أل أكد فيه أن "العنف مرفوض قطعيًا"، مع مطالبة السلطات المحلية من مجالس جهوية وبلديات بتعزيز الأمن المحيط بالمؤسسات التعليمية.
ملايين الساعات ضائعة والطلاب لا يُدرَسون
لا تقتصر الأزمة على الشارع، فخلف الإغلاقات مظالم متجذرة تتراكم منذ سنوات، وبحسب ما أوردته "ليزيكو" نقلًا عن الاتحاد النقابي للطلاب الثانويين (USL)، فإن الحركة تمثل "الاستجابة المشروعة للأوضاع التي يعيشها الطلاب" من نقص في المعلمين والكوادر، ومبانٍ متهالكة، وجداول مكتظة، وضغوط نفسية مرتبطة بمنصة القبول الجامعي "باركورسوب".
وجاءت هذه المظالم موثقةً بأرقام صادمة، إذ كشف النائب أنتوني بولون في تقرير قدمه أمام الجمعية الوطنية أن 20 مليون ساعة تعليمية لم تُدرَس في المدارس الحكومية خلال العام الماضي، أي ما يعادل 10% من إجمالي ساعات التدريس في المرحلة الثانوية.
وفي المقابل، أقر الوزير جيفراي بأن النسبة الفعلية تبلغ 7%، أو 10% إذا شُملت فترات الامتحانات، مشيرًا إلى أنه نجح في تقليص الشواغر الوظيفية في سلك التدريس بنسبة 57% عند دخول العام الدراسي، معترفًا بأن هذا النقص "ليس مستعصيًا على الحل، لكن المدرسة ليست جدول بيانات إكسيل".
وسبق لأكبر نقابة لمديري المؤسسات Snpden-Unsa أن أطلقت تحذيرًا مماثلاً في تقريرها السنوي، ما يؤكد أن الأزمة ليست وليدة اللحظة.
منصة الحوار.. ومعادلة الـ60-40 لإنقاذ الميزانية
على صعيد الاستجابة الحكومية، أعلن الوزير جيفراي عن إطلاق "منصة تشاورية" مفتوحة لجميع الطلاب الثانويين، يُتوَّج بـ"حفل إعلان وطني" يتضمن ردودًا منظمة على مطالبهم.
إلا أن رياض راني، رئيس الاتحاد النقابي، لم يُخفِ شكوكه في جدوى هذه المبادرة، مشيرًا إلى أن قنوات الحوار المدرسية الرسمية فقدت مصداقيتها منذ زمن بعيد، ولم تعد تحمل أي ثقل حقيقي في نظر الطلاب.
وعلى صعيد التمويل، يرى بعض الاقتصاديين أن فرنسا تمتلك فرصة لا ينبغي إهدارها، فمع تراجع أعداد المواليد وانعكاسه التدريجي على الفصول الدراسية، باتت الدولة تُوفر تلقائيًا ما يقدره مجلس التحليل الاقتصادي بنحو 5 مليارات يورو سنويًا كانت تذهب لتغطية أعداد أكبر من الطلاب.
وبدلًا من توجيه هذه الوفورات نحو خفض الإنفاق العام، طالب تقرير مشترك لمنظمتَي VersLeHautوUnicef فرنسا بضخها كاملةً في تطوير المنظومة التعليمية، محذرًا من أن أي حسابات مالية ضيقة ستُفوت على البلاد فرصة إصلاح حقيقية نادرًا ما تتكرر.
في المقابل، أشار الوزير جيفراي إلى تفضيله معادلة تقترب من 60% إعادة استثمار مقابل 40% توفير، مؤجلًا الحسم إلى النقاشات البرلمانية القادمة حول الموازنة.
وفي هذا الإطار، لفتت منظمة OECD إلى أن فرنسا تنفق 28% فوق المتوسط الأوروبي على التعليم الثانوي، في مقابل عجز يصل إلى 10% في التعليم الابتدائي و4% في الإعدادي، وهو تفاوت يطرح تساؤلات جدية حول كفاءة توزيع الموارد لا حجمها فحسب.