سحبت الولايات المتحدة جميع قاذفات سلاح الجو بعيدة المدى التي كانت متمركزة في قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني فيرفورد، وأعادتها إلى قواعدها داخل الأراضي الأمريكية، بعد ظهور تهديد جديد لم تحدد السلطات طبيعته، في خطوة أثارت تساؤلات بشأن مستوى المخاطر الأمنية المحيطة بالقاعدة والدور الذي تؤديه في العمليات العسكرية الأمريكية بعيدة المدى، خصوصًا بعد توقيف أشخاص في بريطانيا للاشتباه في تورطهم بمؤامرة مرتبطة بإيران لاستهداف الموقع.
وأكد مسؤول أمريكي أن جميع القاذفات التي كانت منتشرة في قاعدة فيرفورد عادت إلى قواعدها الأصلية في الولايات المتحدة، دون أن يوضح طبيعة التهديد أو الجهة التي تقف وراءه، لكنه وصف الواقعة بأنها "حادث فعلي" وشدد على أن إعادة القاذفات إلى قواعدها الأصلية بدل نقلها إلى موقع عسكري آخر في المنطقة كانت خطوة غير معتادة، بينما امتنعت وزارة الدفاع البريطانية عن التعليق، بحسب شبكة "سي إن إن" الأمريكية.
تهديد جديد
أشارت المعلومات الأمريكية إلى أن القرار جاء بعد رصد تهديد أمني جديد لم يتم الكشف عن تفاصيله، في وقت كانت فيه القاعدة البريطانية تستخدم لنشر قاذفات "بي-1 لانسر" التي شاركت في العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران، كما كانت فيرفورد تؤدي دورًا رئيسيًا ضمن شبكة العمليات التابعة لقيادة الضربات العالمية الأمريكية والمسؤولة عن تنفيذ مهام بعيدة المدى.
وتزامنت عملية سحب الطائرات مع استمرار التحقيقات البريطانية في مخطط أمني مزعوم استهدف القاعدة، بعدما ألقت الشرطة البريطانية في 27 سبتمبر القبض على خمسة رجال للاشتباه في ارتكابهم جرائم إرهابية وجرائم مرتبطة بالمتفجرات قرب الموقع، قبل الإفراج عنهم بكفالة، مع إعلان الشرطة عدم العثور على متفجرات داخل ثلاث شاحنات كانت في موقع التحقيق.
وأظهرت التحقيقات لاحقًا أن الشرطة البريطانية ألقت القبض كذلك، الخميس، على رجل بريطاني إيراني مزدوج الجنسية يبلغ من العمر 25 عامًا، على خلفية المؤامرة المزعومة، فيما لم تكشف السلطات حتى الآن بصورة علنية عن طبيعة الأدلة التي دفعتها إلى توسيع نطاق التحقيق.
تحقيق بريطاني
أفاد رئيس الوزراء البريطاني أندي برينام بأن هناك "مؤشرات قوية" على تورط إيران في الحادث، موضحًا أن الحكومة البريطانية ستكشف مزيدًا من التفاصيل عندما يكون ذلك مناسبًا، لكنه أكد أن تقييم لندن يشير إلى دور إيراني في القضية، وهو ما وضع التحقيق في إطار أوسع من مجرد تهديد محلي للقاعدة العسكرية.
وتطابقت تصريحات برينام جزئيًا مع تقييم أمريكي تحدث عن وجود "أيدٍ أجنبية" وراء المؤامرة المزعومة، إذ قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن الولايات المتحدة تتعامل مع تهديدات من جهات خارجية، مشيرًا إلى أن إيران سبق أن هددت علنًا بمهاجمة مصالح أمريكية في أنحاء العالم، لكنه امتنع عن تقديم تفاصيل إضافية بشأن الأدلة أو الجهة التي يشتبه في تنفيذها المخطط.
وأثار قرار الإفراج بكفالة عن المعتقلين الخمسة انتقادات من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي عبّر عن رفضه لهذه الخطوة وقال إنه لم يكن ليتخذ القرار نفسه، في موقف عكس حساسية واشنطن تجاه التهديدات التي تستهدف منشآتها وقواتها في الخارج، خاصة في ظل استمرار الحرب مع إيران وتصاعد التحذيرات من أعمال انتقامية.
نفي إيراني
نفت إيران أي صلة لها بالمؤامرة المزعومة، ووصفت الاتهامات بأنها لا تستند إلى أساس، بالتزامن مع استدعاء السفير البريطاني في طهران للاحتجاج على ما اعتبرته اتهامات غير مبررة، فيما نقلت وسائل إعلام إيرانية رسمية أن نائب وزير الخارجية الإيراني مجيد تخت روانجي طالب لندن بمراجعة ما وصفه بـ"نهجها غير اللائق" تجاه طهران.
وعكس النفي الإيراني استمرار التوتر بين طهران ولندن على خلفية الحرب والتطورات الأمنية المرتبطة بالمصالح الغربية، بينما لم تقدم السلطات الإيرانية في المقابل تفسيرًا علنيًا لتحركات الأشخاص الذين أوقفتهم بريطانيا، كما لم تتضح حتى الآن طبيعة الصلة المزعومة بين المعتقلين والمؤسسات الإيرانية أو الجهات المرتبطة بها.
قاعدة استراتيجية
أبرزت التطورات أهمية قاعدة فيرفورد بالنسبة إلى العمليات الأمريكية، إذ استخدمت على مدى سنوات لاستضافة قاذفات بعيدة المدى وتنفيذ مهام مرتبطة بالانتشار العسكري الأمريكي في أوروبا ومناطق أخرى، بينما اكتسبت أهميتها خلال الحرب مع إيران باعتبارها نقطة انطلاق للقاذفات التي شاركت في الضربات بعيدة المدى.
وأثار سحب القاذفات تساؤلات بشأن ما إذا كانت الخطوة إجراءً مؤقتًا مرتبطًا بتقييم أمني محدد، أم أنها تعكس تقديرًا أمريكيًا بأن مستوى التهديد ضد القاعدة والمنشآت العسكرية في بريطانيا ارتفع بصورة تستدعي تقليص الوجود الجوي الأمريكي فيها، خاصة مع استمرار التهديدات الإقليمية وتزايد المخاوف من استهداف المصالح الأمريكية خارج مناطق القتال المباشر.
وأشارت الخطوة في الوقت نفسه إلى اتساع التداعيات الأمنية للحرب مع إيران إلى الأراضي الأوروبية، بعدما انتقلت المخاوف من الهجمات على القوات والسفن والمنشآت الأمريكية في الشرق الأوسط إلى احتمال استهداف مواقع عسكرية يستخدمها الجيش الأمريكي داخل دول حليفة، فيما استمر التحقيق البريطاني دون إعلان نتائج نهائية حول الجهات المسؤولة عن المخطط المزعوم.