نفت إيران وجود أي خطط لاستئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة، رغم تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي تحدث فيها عن قرب استئناف الاتصالات بين الجانبين، في وقت ظل فيه مضيق هرمز محور الخلاف الرئيسي بين طهران وواشنطن، وسط مساعٍ قطرية لاحتواء التصعيد وإعادة فتح الممر المائي الاستراتيجي.
وأعلنت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية "إرنا" أن الوفد الإيراني الموجود في نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة لا يعتزم إجراء مفاوضات مع الجانب الأمريكي.
وأكدت أن طهران نقلت مواقفها وشروطها بوضوح إلى واشنطن عبر وسيط قطري، فيما كان ترامب قد قال في مقابلة مع "أكسيوس" إنه يتوقع استئناف المحادثات قريبًا، وذلك بعد يوم واحد من رفضه مقترحًا إيرانيًا لإعادة فتح مضيق هرمز خلال سبعة أيام، بحسب "الجارديان" البريطانية.
شروط طهران
وحددت إيران سبعة شروط لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، تضمنت التوصل إلى وقف لإطلاق النار لمدة سبعة أيام في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، بما في ذلك لبنان، إلى جانب الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج، ورفع العقوبات المفروضة على قطاع النفط الإيراني، وإنهاء الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية، وهي مطالب رفضها ترامب السبت الماضي، ما أبقى الخلاف قائمًا رغم الحديث الأمريكي عن إمكانية استئناف المفاوضات.
وربطت طهران فتح المضيق، الذي كان يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية قبل اندلاع الحرب، بالتوصل إلى ترتيبات أوسع لإنهاء القتال، بعدما تحول الممر المائي إلى أحد أبرز أوراق الضغط الإيرانية في المواجهة مع واشنطن، بينما ردت الولايات المتحدة بفرض حصار على الموانئ الإيرانية، ما زاد الضغوط على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد.
وأشارت تقارير أمريكية إلى أن اتصالات غير مباشرة بوساطة قطرية قد تُستأنف قريبًا، بعد جولة سابقة من المحادثات بين المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف وكوشنر ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إلا أن النفي الإيراني الأخير أظهر أن الفجوة بين تصريحات واشنطن وموقف طهران لا تزال واسعة، خصوصا بشأن شروط وقف الحرب وآلية إعادة فتح المضيق.
تصعيد أمريكي
وفي واشنطن، اتجهت إدارة ترامب إلى تخفيف قواعد كفاءة استهلاك الوقود للسيارات والشاحنات الخفيفة العاملة بالبنزين، في خطوة قالت الإدارة إنها تستهدف خفض تكاليف شراء السيارات وزيادة الإنتاج المحلي، بينما اعتبر منتقدون أن القرار يتراجع عن سياسات سابقة هدفت إلى خفض الانبعاثات وتشجيع التحول نحو السيارات الكهربائية.
وواصل ترامب في الوقت نفسه الضغط على الجمهوريين استعدادا لانتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر، داعيا أنصاره إلى التعامل مع الانتخابات كما لو كان اسمه مدرجًا على بطاقات الاقتراع، فيما أعلن استعداده لاستخدام موارد سياسية ومالية لدعم المرشحين الجمهوريين، بينما امتلك صندوق "MAGA Inc" المؤيد له أكثر من 400 مليون دولار، قبل نحو خمسة أسابيع من موعد التصويت.
وأثار تدخل ترامب في الانتخابات انتقادات داخل الحزب الجمهوري نفسه، إذ اعترض السيناتور جون كينيدي على استخدام أموال دافعي الضرائب في إعلانات تلفزيونية تروج لسياسات الرئيس، معتبرًا أن هناك حاجة إلى قواعد تمنع المسؤولين من استخدام المال العام للترويج لأنفسهم، في وقت قالت فيه إدارة ترامب إن تلك الإعلانات تندرج ضمن رسائل الخدمة العامة المعتادة.
خلافات داخلية
وتصاعد أيضًا الخلاف بين البيت الأبيض ووسائل الإعلام، بعدما دافع وزير العدل تود بلانش عن قرار الإدارة منع صحفيين من CNN وMS Now وPolitico من الوصول إلى البيت الأبيض، قائلا إن دخول المجمع الرئاسي "امتياز وليس حقًا"، بينما لم يقدم دليلًا محددًا على ادعاء أن التغطية الصحفية لهذه المؤسسات كانت غير دقيقة.
وجاءت المواجهة بعد إصدار قاض أمريكي أمرًا مؤقتًا يلزم البيت الأبيض بإعادة اعتماد الصحفيين المتضررين، وهو ما سمح لهم بالعودة إلى المجمع الرئاسي، لكن CNN قالت لاحقا إن صحفييها مُنعوا من الانضمام إلى الفريق الصحفي المرافق لترامب على متن الطائرة الرئاسية، بما أبقى النزاع بشأن حرية الصحافة والوصول إلى الرئيس مفتوحًا.
وتزامنت هذه التطورات مع تصاعد الضغوط الاقتصادية الداخلية، إذ أظهرت بيانات اقتصادية ارتفاع معدل التضخم إلى 3.4%، مقارنة بـ3% عند مغادرة الرئيس السابق جو بايدن منصبه، بينما ارتفعت أسعار زيت التدفئة 52% خلال عام، واللحوم المفرومة 7.2%، والأسماك والمأكولات البحرية 6.5%، والقهوة والسكر والحلويات 6.1%، في حين بلغ متوسط سعر البنزين نحو 4.47 دولار للجالون.
الصين وتايوان
وفي الملف الصيني، كشف السفير الأمريكي لدى بكين ديفيد بيرديو أن ترامب عرض خلال لقائه الرئيس الصيني شي جين بينج إمكانية شراء الصين أسلحة أمريكية، في إشارة إلى محاولة الرئيس الأمريكي تقديم مبيعات الأسلحة باعتبارها جزءًا من تجارة أوسع مع دول مختلفة، رغم حساسية الملف بالنسبة إلى بكين بسبب موقف واشنطن من تايوان.
وتزامن ذلك مع استمرار تعليق حزمة أسلحة أمريكية جديدة لتايوان بقيمة 14 مليار دولار، بعدما وصف ترامب الصفقة في وقت سابق بأنها "ورقة تفاوضية" في التعامل مع الصين، بينما حافظت واشنطن على سياسة الغموض الاستراتيجي بشأن طبيعة ردها في حال تعرض الجزيرة لهجوم صيني، في وقت يفرض فيه قانون العلاقات مع تايوان على الولايات المتحدة توفير معدات عسكرية كافية لمساعدة الجزيرة على الدفاع عن نفسها.
وكشفت التطورات المتزامنة في ملفات إيران والصين والاقتصاد والسياسة الداخلية أن إدارة ترامب تتحرك على عدة جبهات في وقت واحد، فيما يظل ملف مضيق هرمز الأكثر ارتباطا بالتصعيد العسكري وأسواق الطاقة، وتبقى إمكانية استئناف المفاوضات الأمريكية الإيرانية مرتبطة بقدرة الوسطاء على تضييق الخلاف حول شروط وقف الحرب ورفع العقوبات وإعادة فتح الممر المائي، بينما يعكس النفي الإيراني أن الحديث الأمريكي عن قرب المفاوضات لم يتحول بعد إلى اتفاق معلن على استئنافها.